الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 يمضي ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية المحاصر في مقره برام الله، ايامه في الحديث مع حوالي 250 شخصا آخرين او اجراء مكالمات هاتفية تسمح له بالبقاء على اتصال مع العالم الخارجي. ويقول مرافقون لعرفات ان الرجل الذي يبلغ من العمر 73 عاما يشعر بالغضب من عالم يرى انه مؤيد لاسرائيل، لكنهم يؤكدون انه ما زال «على ايمانه» بقضيته وقبل بمصيره محاصرا في مبنى مكتظ مشبع بالرطوبة تفوح منه رائحة العفونة. وفي مقره الضيق في المبنى الوحيد الذي لم يستهدفه القصف الاسرائيلي وكان في الماضي مترامي الاطراف في مدينة رام الله في الضفة الغربية، ينام عرفات على الارض ويتناول المعلبات كغيره من المحاصرين. ورسم رفاق للرئيس الفلسطيني هذه الصورة في اتصال من هاتف نقال من داخل المقر مع وكالة فرانس برس. ومن الخارج، يبدو الموقع اشبه بسجن بعد ان استكملت القوات الاسرائيلية تطويق المجمع بالاسلاك ونصبت كشافات لانارة المكان ليلا. وتتمركز دبابات وعربات مدرعة في نقاط ازالت منها الجرافات ركام المباني الاخرى التي هدمتها او فجرتها الخميس الماضي. وقال المحاصرون ان اي شخص يحاول الخروج سيعلق في الاسلاك او سيقتل. ورغم الظروف «الرهيبة»، يقول رفاق عرفات ان الزعيم الفلسطيني يحاول تحسين الاجواء بابتسامات وتبادل الضحكات مع اعضاء السلطة الفلسطينية واجهزة الامن وغيرهم في المقر المحاصر. وقال هاني الحسن احد كبار المسئولين في السلطة الفلسطينية الذي كان يتحدث من مقر عرفات «انه يأتي كل يوم الينا ويحاول رفع معنوياتنا». واوضح الحسن وغيره من المحاصرين انه عليهم جميعا التكيف مع الجوع والحر والاكتظاظ ونقص المياه والكهرباء ورائحة العفونة الى جانب شعورهم بالغضب للعزلة المفروضة عليهم والخوف من ان يقتلوا في هجوم. اما بسام ابو شريف مستشار عرفات وهو على اتصال يومي معه من خارج المجمع فيقول ان الجيش الاسرائيلي يخضع المجموعة «لحرب نفسية». فالى جانب قطع المياه والكهرباء وخطوط الهاتف، يتحدث الجنود الاسرائيليون باللغة العربية بمكبرات الصوت لدعوة غير المطلوبين الى مغادرة المبنى والعودة الى عائلاتهم. وقال مسئول كبير قريب من عرفات طلب عدم كشف هويته ان هذه الدعوات تلقى سخرية من الجميع والذين لا يستطيعون في بعض الاحيان سماع ما يقوله الاسرائيليون. واكد احد الفلسطينيين الذين يعملون مع عرفات ان الزعيم الفلسطيني يعيش كغيره من الناس. فهو يتناول وجبة طعام واحدة في اليوم وينام على الارض. وقال «نحن نجلس لكننا لا نملك اطباقا لذلك نتناول طعامنا من العلب وليس لدينا خضار او فاكهة». واوضح مسئول طلب عدم كشف هويته ان عرفات والجميع في الداخل غاضبون ليس لان اسرائيل ترفض كل «مبادراتهم» للسلام ولكن من العالم بأسره. واضاف هذا المسئول الذي كان يتحدث هاتفيا ان عرفات «غاضب جدا. غاضب من صمت العالم لان العالم لا يتسم بالحياد». وتابع ان عرفات يبقى مشغولا كل اليوم ويجري اتصالات مع المسئولين خارج المبنى ومع قادة اوروبيين وعرب ليبقى على اطلاع على ما يحدث في العالم وفي الاراضي الفلسطينية. قال مسئول فلسطيني ان «ضحايا كثرا سيسقطون في حال جرى هجوم». واضاف ان «حراس الرئيس وقوات الامن مسلحة سيقاتلون بالتأكيد». واضاف «لا يمكنهم دخول المبنى الا على جثثنا»، مؤكدا «نشعر بالخوف لكن القضية الفلسطينية اقوى من الخوف». ـ أ.ف.ب
