قبول العراق بعودة المفتشين غير المشروطة جدير بالاشادة والترحيب الذي حظي به عربياً ودولياً، غير أن رد الفعل الايجابي هذا مثل القرار العراقي نفسه يذهب نصف المشوار ولا يكمل الطريق المطلوب. مما لا شك فيه ان توقيت بغداد اضاف للقبول عمقاً تكتيكياً اذ احدث انفراجاً سياسياً في عدة دوائر شديدة الاحتقان في مقدمتها مجلس الامن، إذ استبقت بغداد قراراً دولياً تسعى واشنطن لاستصداره بعودة المفتشين إلى العراق وفق شروط اميركية مبيتة. واحسنت بغداد الاصغاء والاستجابة لاصوات عربية ظلت تلح صراحة وتلميحاً على العراق قبول عودة المفتشين وتجاوبت بغداد في ذلك مع حلفاء تقليديين لهم ثقلهم على الصعيد الدولي. يكون العراق حقق هدفين مزدوجين بهذا القبول المعلن اذ اربك معسكر اعدائه وعزز موقف حلفائه. لكن من الصعب التسليم مع طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي بأن قبول عودة المفتشين أسقط ذريعة الحرب الاميركية. فمن اجل السلام الذي يستحقه شعب العراق يتوجب على نظامه اتخاذ خطوات عديدة على الطريق الذي بدأ، كما ينبغي على القوى الدولية التي رحبت بالقبول العراقي غير المشروط وفي مقدمتها الدول العربية بناء مواقف سياسية لا تسقط فقط ذريعة الحرب المعلقة فوق العراق وانما تسقط بالضرورة الخيار العسكري الذي ظلت واشنطن تلوح به في وجه بغداد اكثر من عقد من الزمان. وبغية منح الشعب العراقي حقه المشروع في استئناف مسيرته الحياتية يجب ان تتكاتف الجهود لاسقاط خيار الحرب وليس مجرد ذرائعها. من هنا نطالب النظام العراقي باستكمال طي الملفات المفتوحة منذ حرب الكويت، فتلك خطوات بالغة الحيوية لانهاء ذرائع التحرش الاميركي بشعب العراق ونظامه. كما نطالب القوى الدولية وفي مقدمتها الدول العربية المبادرة إلى بناء مصد ضد التوجه الاميركي الذي بدأ بالتشكيك في قبول العراق عودة المفتشين ودمغ ذلك القرار بالمراوغة. واللبنة الاولى في بناء مثل هذا المصد تتمثل في استكمال تفريغ الاحتقان الماثل داخل اروقة مجلس الامن وباستصدار قرار دولي يستهدف رد ثقة العراقيين في المنظمة الدولية مظلة للعدل والسلم ومن ثم الاجهاز على اي محاولة تستهدف القفز فوق القبول العراقي وكأنه لم يصدر او مجاراة التشكيك في صدقيته. ربما تكون الدول العربية اكثر من غيرها حاجة للمبادرة من اجل تحويل القبول العراقي بعودة المفتشين منعطفاً يخرج المنطقة من مأزقها المأزوم على جبهتين اذ لدى الجميع قناعة مطلقة بضرورة تفادي اشعال جبهة العراق مجدداً حرصاً على امن المنطقة. فقد لا تلوح فرصة مواتية لانهاء لعبة الحرب بين بغداد وواشنطن على هذا النحو. كما قد لا تواتينا الاحداث بمهلة يمكن اقناع بغداد خلالها بضرورة الخروج من اطار نظرية مجموعة الشر التي تتبناها اميركا ويعتبر العراق حجر الدومينو الاول فيها. كتب المحرر السياسي: