خلافاً للترحيب الدولي واسع النطاق من قبل روسيا والصين وفرنسا والبلدان العربية بخطوة العراق بالموافقة على استقبال المفتشين الدوليين، دون شروط، ابدت كل من اميركا وبريطانيا استهانة واستهزاء بالقرار واصفة اياه بأنه تكتيكي ومصيره الفشل وبينما قال جورج بوش الرئيس الأميركي إن الوقت قد حان للتحرك ضد صدام حسين الرئيس العراقي توعد كولن باول وزير خارجيته باستصدار قرار دولي صارم ضد بغداد وسط ارتباك في واشنطن احبط مؤقتا تحرشها العسكري العلني بالعراق. وفي احدث دليل على النية الاميركية البريطانية المبيتة لضرب العراق بغض النظر عن استقباله للمفتشين واصلت وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) خطط حشد قواتها بالمنطقة عبر شحن المزيد من المعدات العسكرية، في حين اعلنت بغداد ان صدام حسين سيوجه رسالة للأمم المتحدة عبر وزير خارجيته ناجي صبري خلال ايام، في حين اكدت وكالة الطاقة الدولية ان مفتشيها جاهزون للعمل في العراق بدءا من اليوم وينتظرون الضوء الاخضر من مجلس الامن الذي قالت مصادر متطابقة انه لن يناقش العرض العراقي فورا وربما يبحث الامر خلال يومين في ضوء وجهة نظر روسية ترى ان موافقة بغداد الاخيرة تجب صدور قرار دولي صارم كما تطالب واشنطن ولندن. (طالع ص 18 و19 ). واعلنت مصادر دبلوماسية متطابقة امس الثلاثاء ان مجلس الامن الدولي قد ينتظر حتى اخر الاسبوع لدرس رسالة بغداد التي قبلت بموجبها عودة مفتشي نزع الاسلحة بدون شروط. وقالت المصادر ان مجلس الامن الذي اجتمع في ساعة متأخرة صباح اليوم لن يتطرق للملف العراقي كون روسيا لا تريد ان يتم بحثه الا بعد اللقاء المقرر غدا الخميس في واشنطن بين وزير خارجيتها ايغور ايفانوف وكولن باول. واعلن فريد ايكهارد المتحدث باسم الامم المتحدة ان من المقرر ان يجتمع هانز بليكس رئيس فريق التفتيش عن الاسلحة العراقية التابع للامم المتحدة خلال ساعات مع خبراء عراقيين على مستوى رفيع لبحث الترتيبات العملية لعودة المفتشين الى العراق. واعلن جورج بوش الرئيس الاميركي ليلة امس خلال زيارة لمدينة ناشفيل بولاية (تينيسي) ان «الوقت قد حان للتحرك ضد صدام حسين لضمان السلام، ولان تتحرك الامم المتحدة». واضاف بوش في خطاب ان الولايات المتحدة «لن تسمح لاسوأ قادة العالم بأن يهدد او يبتز اصدقاءنا وحلفاءنا بأسوأ الاسلحة في العالم». ولم يعلق بوش على مبادرة العراق المتمثلة في قبوله عودة المفتشين. وأكد بوش ان الدول التي تؤوي ارهابيين مذنبة بنفس قدر الارهابيين انفسهم. الا انه لم يشر الى وجود صلة مباشرة للنظام العراقي بتنظيم القاعدة. وقال الرئيس الاميركي «انني على ثقة بأنهم (الارهابيين) ما زالوا موجودين هنا وما زالوا يكنون لنا الكراهية» مضيفاً ان الولايات المتحدة «ستطاردهم واحداً واحداً وستحيلهم الى القضاء». في حين اعلن كولن باول ان الولايات المتحدة ترغب في صدور قرار جديد عن الامم المتحدة لضمان احترام العراق لالتزاماته في مجال نزع السلاح. وقال باول للصحافيين «يبدو لي ان الطريقة الوحيدة لكي لا يحدث ذلك كما حدث عادة ولعدم تكرار الماضي هو ان يتضمنه قرار جديد». وقال المتحدث باسم البيت الابيض سكوت ماكليلان «هذه خطوة تكتيكية من العراق املا بتجنب اجراء قوي من مجلس الأمن التابع للامم المتحدة وهو في حد ذاته تحرك تكتيكي مصيره الفشل وقد حان الوقت ان يتحرك مجلس الامن». وقال ماكليلان «ليست هذه مسألة تفتيشات. انها مسألة نزع اسلحة الدمار الشامل العراقية واذعان النظام العراقي لاحد عشر قرارا اخرى لمجلس الامن». واضاف قوله انه يجب على مجلس الامن التابع للامم المتحدة «ان يقرر كيف ينفذ قراراته التي تجاهلها النظام العراقي اكثر من عقد». وقال ماكليلان «سيتطلب هذا قرارا فعالا جديدا من مجلس الامن التابع للامم المتحدة يعالج فعلا الخطر الذي يشكله صدام حسين على الشعب العراقي وعلى المنطقة وعلى العالم» وحث البيت الابيض الامم المتحدة والكونغرس على مواصلة الضغط على العراق. وقال مسئول رفيع بوزارة الخارجية يرافق الوزير كولن باول في الامم المتحدة ان القرار الجديد «يجب ان يوضح ان هناك عواقب» اذا لم يذعن العراق. وقال المسئول «الخطوة الاولى في اي حوار هي ان يوضح مجلس الامن من خلال قراره ما تعنيه عمليات التفتيش بلا شروط وما يعنيه الاذعان وما يجب على العراق فعله». وقال مسئولون اميركيون انهم لم يندهشوا من التحرك العراقي وقال مسئول بالبيت الابيض «توقعنا مثل هذا الشيء». وقال المسئول عن العراقيين «حينما نرى قرارا جديدا للامم المتحدة سنرى هل هم جادون ام لا ». وقال مسئولون اميركيون انهم يعتقدون ان اعضاء اخرين في مجلس الامن سيبقون على موقف متشدد من العراق. وقال مسئول في البيت الابيض طلب الا ينشر اسمه «في الايام التي مرت منذ كلمة الرئيس شهدنا تأييدا غير عادي لهذا المنهج الذي اتخذه الرئيس واننا يحدونا الامل ان يستمر هذا التأييد في النمو». وقال دان بارتليت مدير اتصالات البيت الابيض «لقد اوضحنا بجلاء اننا لا نسعى للتفاوض مع «الرئيس العراقي» صدام حسين اننا نعمل مع مجلس الامن التابع للامم المتحدة من اجل تحديد اكثر الطرق فعالية لبلوغ هدفنا». ووصف بارتليت العرض العراقي بأنه تكتيك يهدف الى اعطاء «امل كاذب للمجتمع الدولي بانه (صدام) جاد هذه المرة. ولسوء الحظ فان خبرته التي تزيد على عقد من الزمان تظهر انه لا يمكن الوثوق في اقواله او افعاله». وعلى خطى واشنطن اعلن جاك سترو وزير الخارجية البريطانية في تصريح ادلى به امام مقر الحكومة البريطانية ان على المجتمع الدولي ان يتلقى رسالة العراق وهذا العرض بكثير من التشكيك، اذ انهما صدرا بعد اربعة ايام من اعلان نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز بأنهم (العراقيين) لن يوافقوا على عودة المفتشين بدون شروط. لكنه اضاف انه اذا كان الامر يمثل تقدما، فهو قد تم بفضل الضغط الحازم الذي مارسته الاسرة الدولية بقيادة الولايات المتحدة وبدعم بريطانيا. واكد وزير الخارجية البريطاني انه لا يزال من الضروري رغم ذلك صدور قرار عن الامم المتحدة حول العراق. وكرر سترو القول ان صدام حسين لم يكن صادقا خلال السنوات الـ 12 الماضية مضيفا كل ما اعرفه ان النظام العراقي لا يفهم الا عندما يظهر المجتمع الدولي تصميما واضحا. وقال ديفيد بلانكيت وزير الداخلية البريطاني في حديث اذاعي «هذه خطوة في غاية الجدية لكننا نتعامل مع سياسة خطيرة هنا مع شخص لديه نية خالصة لجعل بقية العالم اضحوكة». وحث بلانكيت المجتمع الدولي على عدم ترك صدام يفلت، وقال لهيئة الاذاعة البريطانية «سيتعين الاستمرار في تصعيد الضغوط لان صدام حسين راوغ وتمكن من تجنب تفتيش مفصل . كلما واتته الفرصة». غير ان تشكيك واشنطن ولندن لم يمنع موسكو من الترحيب بالقرار العراقي، في حين اثار هذا القرار الارتياح في الصين وباكستان وتايلاند وفيتنام وماليزيا وطالبت ماليزيا برفع الحظر عن العراق فور عودة المفتشين. واعتبر وزير الخارجية الروسي ايغور ايفانوف ردا على الطلب الاميركي ومستبقا رد فعل نظيره البريطاني، انه من غير الضروري صدور قرار جديد عن الامم المتحدة. وقال يجب ان نعمل خلال الايام المقبلة على تسوية مسألة عودة المفتشين ولا ضرورة من اجل ذلك لاصدار قرارات جديدة»، موضحا ان «عودة المفتشين هي الهدف الرئيسي من اجل طمأنة الاسرة الدولية». أما بكين فمن جهتها رأت ان «القرار العراقي يتطابق مع ما أملت به دائما الاسرة الدولية بما فيها الصين». وعارض الجنرال جان بيير كيلش قائد القوات المسلحة الفرنسية توجيه اي ضربة وقائية ضد العراق فيما تتمسك حكومة باريس بأنه يتعين على الامم المتحدة تصديق قرار العراق وايفاد مفتشين للقضاء على اسلحة تمثل خطرا هناك. وحذر الجنرال الفرنسي من ان توجيه ضربة وقائية من شأنه ان يخلق حالة من الفوضى في ميادين السياسة الدولية مؤكدا ان المفتشين سيكونون اكثر فاعلية من القيام بعمل عسكري. وقال كيلش لاذاعة اوروبا 1 ردا على سؤال بشأن تأييد واشنطن لضربة جوية ضد العراق «نحن نعارض اي توجه بشأن الضربات الوقائية» واضاف «انها مصدر للفوضى الدولية. كل دولة يمكنها ان تفعل الشيء نفسه». وقال كيلش انه مادام صدام قد وافق على عودة مفتشي الاسلحة التابعين للامم المتحدة الى البلاد دون قيد او شرط بعد ان غادروا العراق عام 1998 «فيتعين علينا ان نصدقه». ورحب جيرهارد شرويدر المستشار الالماني أمس بالعرض العراقي قائلاً انها «خطوة مهمة.. انه نجاح كبير لكوفي عنان». وأضاف ان عرض العراق بعودة المفتشين يرجع الى الأمم المتحدة غير انه رفض التعليق على ما كانت التهديدات العسكرية الأميركية لعبت دوراً في تحول بغداد. وقال شرويدر في مؤتمر صحفي ان خطاب بوش أمام الأمم المتحدة لعب دوراً ولكن فقط لأنه أكد على العودة الى الهدف الأصلي وهو عودة مفتشي الأسلحة ثانية الى العراق. وعندما سئل ما إذا كانت التهديدات الأميركية ايضاً لعبت دوراً، أجاب شرويدر «لا أريد أن أتكهن بشأن ذلك». وفي سياق استمرار التحضير لخيار شن هجوم عسكري قالت مصادر ملاحية امس ان البحرية الاميركية بصدد شحن مركبات عسكرية ومئات الحاويات المليئة بالذخيرة والعتاد من اوروبا الى منطقة الخليج . ويمثل طلب البحرية الاميركية سفنا عملاقة يمكن من خلالها تفريغ وشحن البضائع محملة على مقطورات او شاحنات رابع عملية شحن اسلحة تقوم بها الولايات المتحدة بالاستعانة بسفن تجارية متجهة الى الخليج منذ اوائل اغسطس الماضي وهو الامر الذي يفسره خبراء في صناعة الشحن على انه مؤشر على ان واشنطن تحشد قوة نيران قبيل شن هجوم محتمل. وقالت صحيفة التايمز البريطانية ان وزارة الدفاع الاميركية «بنتاغون» طلبت من نظيرتها البريطانية اذنا لتمركز القاذفات الاميركية الثقيلة من طراز «بي 2 ستيلث» على جزيرة تعود لبريطانيا فى المحيط الهندى عليها قاعدة اميركية استراتيجية. واضافت الصحيفة انها فهمت من مصادرها ان الحكومة البريطانية وافقت على الطلب الاميركي من حيث المبدأ بانتظار التفاوض حول التفاصيل. ورغم اعلان طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي امس ان عودة المفتشين لن تمنع ضرب العراق، واصلت بغداد تحركاتها الدبلوماسية لاسقاط كل الذرائع الاميركية لضربتها العسكرية المتوقعة. وقالت وكالة الانباء العراقية ان الرئيس العراقي سيوجه رسالة الى شعوب العالم واعضاء الامم المتحدة يلقيها ناجي صبري وزير الخارجية امام الجمعية العامة للامم المتحدة. وكان صبري قد أبلغ الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان بالقرار العراقي، الذي أكده نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي طارق عزيز خلال تصريحات في بغداد . وقال عزيز الان نقول للامين العام للامم المتحدة نحن نوافق على عودة المفتشين. غير أن المسئول العراقي ندد بشدة بردود الفعل الاولية الصادرة عن الولايات المتحدة وبريطانيا، قائلا انهم صدموا لهذا القرار الشجاع والمتوازن، وصاروا يتحدثون عن التكتيك وما يدعونه بالمراوغة.