صعدت واشنطن ولندن حملة الترويج الدعائية للحرب على العراق باطلاق تقارير عن اقتراب بغداد من امتلاك الاسلحة النووية في مدة أقصاها ثلاثة شهور، وترديد مزاعم عن استعدادها تزويد «منظمات ارهابية» بأسلحة بيولوجية لاستخدامها ضد الولايات المتحدة واسرائيل حال بدء الحرب التي بدأت الولايات المتحدة بالتمهيد الفعلي لها عبر اعلانها ان الطيران الحربي الأميركي بدأ مؤخراً باستهداف الدفاعات الجوية الثابتة. في الوقت الذي يعقد فيه صدام حسين الرئيس العراقي مع أركان قيادته اجتماعات متواصلة تبحث فيها معالجة الأزمة عبر حل سياسي يقضي بعودة مفتشي الأسلحة بما يضمن احترام وسيادة البلاد. ونشطت الادارة الاميركية لتهيئة الاجواء لضرب العراق على جبهتين: دبلوماسية وعسكرية. وعلى الصعيد العسكري أوضح وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد أمس ان الطيران الأميركي بات يستهدف منشآت أو بنى تحتية أخرى ثابتة للدفاع الجوي العراقي يلحق به أكبر ضرر ممكن. وأوضح رامسفيلد انه قرر هذا التغيير في الاستراتيجية منذ بعض الوقت بعد تزايد دقة وفاعلية القصف العراقي الذي يستهدف الطيارين البريطانيين والاميركيين، وأضاف ان هذا التغيير الاستراتيجي مقارنة بالاكتفاء بمهاجمة اهداف متحركة وقاذفات صواريخ أرض جو يهدف إلى «تنظيم ردنا بطريقة تتيح، كما نرجو، الحاق اضرار اكبر بقدراتهم (العراقيون) على الأرض». أما سياسياً فقد عاد كولن باول وزير الخارجية الاميركي إلى الأمم المتحدة أمس لمواصلة ضغوطه لتأييد خطط بلاده المضادة لبغداد بعد ان كان رجح في حديث لشبكة «سي ان ان» الاميركية التوصل إلى اتفاق حول قرار جديد لمجلس الامن يحمل انذاراً نهائياً لبغداد بحلول مطلع الاسبوع المقبل. وفي موازاة توقعات باكتمال الحشود العسكرية الاميركية في الخليج العربي بحلول منتصف نوفمبر المقبل نشرت صحيفة «التايمز» البريطانية تصريحات لعالم نووي عراقي يدعى خضر حمزة قال فيها ان النظام العراقي يتجه لامتلاك ثلاث قنابل نووية قبل حلول يناير المقبل بعد حصوله على كميات من اليورانيوم استوردها سراً من البرازيل. ورأى هذا العالم الذي فر من العراق في 1994 لكنه ابقى على اتصالات مع بلده على حد قول الصحيفة، ان ارسال مفتشين من الامم المتحدة الى العراق قد لا يكون كافيا حتى في حال سمح لهم بدخول كل المواقع بحرية لكشف المنشآت النووية. واوضح ان «النظام الحالي يشمل وحدات انتاج صغيرة جدا تم اخفاؤها منذ رحيل مفتشي الامم المتحدة منذ اربعة اعوام تحت الارض او في اقبية او ابنية شكلها عادي». وقال حمزة ان العراق يعالج بواسطة اجهزة للنبذ المركزي مستوحاة من التكنولوجيا الالمانية يورانيوم ضئيل التخصيب تم شراؤه منذ سنوات من البرازيل. وأضاف حمزة ان النظام العراقي يعمل على تكرير أطنان من اليورانيوم من نوع «الكعك الأصفر» والذي يشتق من معدن الفوسفات المتوفر في العراق وقد تمكن المفتشون من رؤية نحو 162 طنا منه. وتولى المسئولون في أجهزة الاستخبارات الاميركية الترويج لـ «خطر عراقي» أشد عبر صحيفة «نيويورك بوست» أمس بالقول ان هذه الاجهزة أبلغت رئاسة أركان الجيوش الاميركية والبيت الابيض باحتمال تزويد العراق تنظيم «القاعدة» اسلحة بيولوجية للرد على ضرب بغداد. واضاف المصدر نفسه ان العراق يمكن ان يزود القاعدة ومنظمات ارهابية أخرى بأسلحة بيولوجية يمكن ادخالها الى مدن اسرائيلية واميركية. وذكرت صحيفة «نيويورك بوست» انه من الصعب جدا ان تكتشف اجهزة الجمارك الاميركية هذه الاسلحة البيولوجية الصغيرة الحجم التي يمكن اخفاؤها في محفظة وثائق. وقال مسئول كبير «هذا اكثر ما يقلقنا واكثر ما نعمل عليه». مشيرا إلى عدم وجود أدلة على ذلك. واوضح مسئول عسكري ان «الامر يتعلق برؤوس بيولوجية وقنابل مخبأة في محافظ وثائق او قوارير»، موضحا انه «من الممكن ايضا ارسال انتحاري ارهابي مصاب بعدوى الامراض البيولوجية الى هنا». وفي بغداد ترأس صدام حسين الرئيس العراقي اجتماعاً مشتركاً لحكومته وقيادة حزب البعث الحاكم هو الثاني خلال 24 ساعة، حيث كان عقد اجتماعاً مع كبار مستشاريه وصف بالارفع مستوى منذ خطاب بوش في الامم المتحدة. ورغم ان شيئا لم يرشح عن الاجتماعين المذكورين الا ان مصادر مطلعة قالت ان بغداد تدرس كل الخيارات المطروحة لمعالجة الازمة المستمرة مع واشنطن ومن بينها التوصل الى حل سياسي. ومما يعزز هذا الاعتقاد ان وزير الخارجية العراقي ناجي صبري الذي يواصل في نيويورك مشاوراته المكثفة اشار الى ان الازمة الحالية قد تسوّى قبل ان يصدر مجلس الامن قرارا بشأنها. وفسر المراقبون الموقف بأن بغداد ستقبل استئناف عمل المفتشين الدوليين لكنها تريد ضمانات دولية تحول دون العدوان الاميركي والبريطاني عليها وبما يضمن احترام امن وسيادة العراق وعدم استخدام التفتيش الدولي لأغراض سياسية او استخبارية كما تريد واشنطن. وفي هذه الاثناء نقلت وكالة رويترز توضيحات لمسئول سعودي لما وصف بالتحول في موقف الرياض بقوله ان بلاده ترفض أي ضربة منفردة إذا لم يكن هناك غطاء دولي. وقال مسئول خليجي انه من خلال سعي واشنطن لاستصدار قرار قوي بشأن العراق فإنها تكون قد أعطت حلفاءها مخرجاً من الحرج في حال تغيير مواقفهم. وقال المسئول الخليجي لـ «رويترز» نصيحتي للعراق بألا يعمل حساباً لكل هذا التأييد اللفظي من العرب وغيرهم، هناك ضغط أميركي هائل عليهم. في غضون ذلك اشتعل جدال أميركي داخلي حول ما يكمن وراء توقيت الحملة العسكرية ضد العراق. وأثار عدد من أعضاء الكونغرس وقادة الحزب الديمقراطي تساؤلات حول سر اعلان هذه الحملة قبل شهرين من الانتخابات النصفية للكونغرس وفيما إذا كان الجمهوريون يسعون لتحقيق كسب انتخابي من ورائه والتغطية على فضائح واخفاق سياسات بوش الاقتصادية حسبما نقلته عنهم أمس صحيفة «واشنطن بوست». ونسبت الصحيفة الى جيم جوردن مدير اللجنة المختصة بادارة الحملة الانتخابية للديمقراطيين انه من الصعب تجاهل ان تصاعد اهمية الحرب ضد العراق تتزامن تماما مع بعض قصص الفضائح وتناقص فرص الجمهوريين فى الحصول على الاغلبية فى الكونغرس مشيرا الى انه من الواضح ان توقيت مسألة العراق ليس الا «حملة علاقات عامة» للتأثير على الانتخابات النصفية للكونغرس وجذب انظار الرأى العام بعيدا عن الاقتصاد المتدهور والقضايا الداخلية. وكان لورنس ليندسي المستشار الاقتصادي لبوش قدر تكلفة الحرب على العراق بمبلغ يتراوح ما بين مئة ومائتي مليار دولار. كذلك تواصل امس توافد البرلمانيين الأوروبيين إلى بغداد التي وصلها أمس جورج غالاواي العضو العمالي في مجلس العموم البريطاني بعد الوفد الفرنسي. وكانت صحيفة «اندبندنت» البريطانية أشارت إلى بدء نواب من حزب العمال تحركات لحشد الصفوف لغرض اجراء تصويت ضد موالاة توني بلير رئيس وزرائهم لواشنطن. وابلغ غالاواي رويترز بعد فترة وجيزة من وصوله لبغداد ان بلير «لن يسمح باجراء تصويت في البرلمان لانه يعلم ان كثيرين من الاعضاء في البرلمان البريطاني يعارضون ضرب العراق». وأضاف ان نحو 161 عضواً أعلنوا بالفعل عن رفضهم لشن حرب على العراق. لكن روبرت هيل وزير الدفاع الاسترالي تفرد في موالاة واشنطن بقوله ان بلاده ستدعم ضرب العراق حتى من دون ضوء اخضر من الامم المتحدة. وقال الوزير الاسترالي رداً على سؤال لأحد النواب حول ضرورة صدور قرار من مجلس الامن قبل مهاجمة العراق ان «التحرك يمكن احياناً ان يكون مبررا حتى من دون الحصول على اذن من مجلس الامن».