أعلنت الحكومة السودانية رسمياً أمس وقف مفاوضات السلام الجارية في ماشاكوس مع متمردي الجنوب واستنفرت قواتها غداة استيلاء «الجيش الشعبي لتحرير السودان» على مدينة توريت الاستراتيجية، بسهولة فاجأت القوات المهاجمة. واعلن عمر البشير الرئيس السوداني الحرب على قوات جون قرنق في كل الاتجاهات لاستعادة توريت. وقال مصطفى عثمان اسماعيل وزير الخارجية السوداني الذي أعلن تعليق المفاوضات من القاهرة إن بلاده يصعب عليها القتال بمفردها حتى النهاية ضد حركة مدعومة من قوات إقليمية ودولية. واعلن الرئيس عمر البشير في تطور لافت للاحداث في جنوب السودان استدعاء كل القيادات العسكرية لحشد قواتها في مدينة جوا واصدار التعليمات لوفد الحكومة المشارك في مفاوضات نيروبي بوقف التفاوض مع حركة قرنق والعودة فوراً للخرطوم. وقال البشير الذي كان يخاطب مأتم الشهيد خالد علي عبدالله يعقوب احد قتلى الهجوم الأخير بأن الجيش سيواصل الحرب في كل الاتجاهات لاستعادة مدينة توريت التي سقطت امس الاول في ايدي قوات قرنق كما دعا للاستنفار واعلان التعبئة في كل انحاء السودان لمواجهة هذا الوضع، وقال ان الجيش سيعلنها حرباً في كل الاتجاهات ضد قوات قرنق في جنوب السودان. وأعلن الناطق الرسمي للحكومة إيقاف المفاوضات الى حين التوصل لظروف افضل ومناخ يمكن من استمرار التفاوض. وقال إن الاتصالات جارية لإبلاغ الأطراف المعنية بهذا القرار. وفي خطوة أخرى أعلن عن استدعاء «القطاع السياسي» لاجتماع عاجل اليوم الثلاثاء برئاسة البشير لبحث ترتيبات قرار ايقاف التفاوض. وكان الفريق عمر البشير الرئيس السوداني يرأس اجتماعاً مع قيادة الجيش للوقوف على التطورات بعد الاستماع الى تنوير من الناطق الرسمي للجيش حول أبعاد الهجوم الذي وقع على مدينة توريت. وعلمت «البيان» من مصادرها في العاصمة الكينية نيروبي ان وفد الحكومة السودانية في المفاوضات مع الحركة الشعبية، سلم وسطاء (الايغاد) ورقة يشرح فيها أسباب انسحابه المفاجئ من المباحثات، وقالت المصادر ان الملفت في هذه الأسباب انها من البنود التي كان من المقرر مناقشتها في الأيام المقبلة خلال جولة المفاوضات الجارية، وتنحصر في أمور ثلاثة.. أولها: حدود الجنوب، والتي قالت عنها الحكومة انها تتمسك فيها بحدود عام 1956، بينما تطرح الحركة حدوداً تضم مناطق في الشمال مثل جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق. ويعود السبب الثاني إلى رفض الحكومة السودانية الترتيبات الأمنية التي طرحت في المفاوضات، والدستور المعمول به خلال الفترة الانتقالية والذي يضم ثلاثة أشكال من الدساتير، مما يكرس للكونفدرالية. أما السبب الاخير فهو العاصمة القومية، حيث تصر الحركة الشعبية على ان تكون علمانية، لا تطبق فيها الشريعة الاسلامية. وأفادت مصادر «البيان» ان مسئولا أمنياً رفيعاً، هو (نافع علي نافع، كان قد وصل الى نيروبي قبل يومين فقط من انسحاب الوفد الحكومي من المفاوضات. وربطت المصادر بينه وبين قرار الانسحاب المفاجيء. وكان وزير الخارجية السوداني مصطفى عثمان اسماعيل الذي يقوم بزيارة الى القاهرة استبق صدور الإعلان الرسمي في الخرطوم بشأن وقف المفاوضات. وقال للصحافيين ان «الوفد السوداني سيعلق المباحثات لان الاجواء التي خلفتها العمليات العسكرية الاخيرة واحتلال حركة التمرد لمدينة توريت خلقت أجواء غير مؤاتية بالنسبة لعملية السلام». واضاف الوزير اثر لقائه وزير الخارجية المصري احمد ماهر «وبالتالي فان المباحثات سوف تعلق وسوف تعبيء الحكومة الجبهة الداخلية خلف القوات المسلحة وسوف تعيد القوات المسلحة ترتيب أوضاعها لايقاف تقدم العمليات العسكرية بالنسبة لحركة التمرد واستعادة الاراضي التى احتلتها حركة التمرد بعد توقيعها على اتفاق ماشاكوس»، في 20 يوليو. وقال اسماعيل ان الجيش الشعبي لتحرير السودان يريد فرض شروطه على الارض من خلال العمليات العسكرية وطالب بتضافر الجهود «خاصة من جانب مصر ودول الجوار جميعاً دون استثناء... حتى يمكن الوصول الى سلام يحقق الاستقرار والوحدة لبناء السودان». واضاف «عندما نصل الى قناعة بأن حركة التمرد جادة بالاستمرار فى السلام والوصول الى حل سلمي، عندئذ سيتغير الموقف». وردا على سؤال عما إذا كان السودان سيطلب دعما عربيا خلال اجتماع مجلس الجامعة المقبل، قال الوزير السوداني: سنقول مجددا للاخوة العرب بأن السودان جزء لا يتجزأ من الأمن العربي والأمن القومي الافريقي. ونحن نقاتل وحدنا في مواجهة قوة متمردة مدعومة اقليميا ودوليا. وأضاف ان الشعب السوداني يقاتل وحده والخزينة السودانية تدفع ثمن الحرب وحدها.. كما ان الحكومة السودانية وحدها تتولى توفير السلاح والعتاد لقواتها المسلحة.. وحتى الآن فإن الشعب السوداني، دون القوات المسلحة، قدم أكثر من عشرين ألف شهيد حيث لا يوجد وزير أو مسئول سوداني الا وعنده ابنه أو اخوه أو ابن اخيه أو اخته إلا واستشهد في الحرب، كما ان الرئيس البشير وحده لديه اثني عشر فردا من اقربائه استشهدوا في الحرب وهكذا ظلت الحكومة السودانية وعلى الدوام كان هدفها واستراتيجيتها ان تصل الى حل سلمي يرضاه جميع السودانيين دون ان يمر عبر الاستفتاء على حق تقرير المصير، لكن الحكومة السودانية مضت الى اتفاق ماشاكوس باعتبار انها تصل الى الوحدة عبر الوسيلة الجديدة وهي الاستفتاء لانها وجدت ان الواقع هو انها لابد ان تقبل ذلك. وحول ما اذا كان الوزير السوداني يعتقد ان هناك اطرافا معنية مثل الولايات المتحدة أو اسرائيل دفعت قوات التمرد الى ماحدث، قال: نحن حتى الآن على يقين أن حركة التمرد دخلت المباحثات مع الحكومة السودانية للوصول الى سلام ووقف العداء.. وتساءل عن المدى الذي يمكن للولايات المتحدة ان تستخدم فيه نفوذها لاقناع حركة التمرد لايقاف العدائيات. مضيفا: هذا ما سنراه في الفترة المقبلة. ووجه حديثه الى الذين يهتمون بالأمن القومي العربي والأفريقي وقال: عليهم ان يدركوا ويفكروا جيدا أن السودان من الصعب عليه ان يقاتل حتى النهاية وحده حركة متمردة مدعومة من قوى اقليمية ودولية، في الوقت الذي يكون فيه العمق السوداني محيدا تماما من أن يقوم بدعم السودان. وأضاف: نحن سنطالب الدول العربية بأن يكون لها دور من خلال بنية تحتية اقتصادية تشعر الجنوبيين ان هناك تفاعلا تجاه الوضع الذي يعيشه ابناء السودان. واعلن الناطق باسم الجيش السوداني الفريق محمد بشير سليمان عبر اذاعة ام درمان الوطنية ان الجيش السوداني «عبر تعبئة كافة قواته سيكثف الحرب في كافة مناطق القتال» مضيفا «ان قواتنا ستقاتل حتى استعادة مدينة توريت». وقال «لقد خسرنا معركة ولكننا لم نخسر الحرب»، مضيفا ان «ما جرى في توريت يبرهن ان جون قرنق (زعيم التمرد) لا يريد السلام». وقال الفريق سليمان انه تم ارسال تعزيزات من القوات المسلحة وقوات الدفاع الشعبي (ميليشيا) جوا الى مدينة جوبا، كبرى مدن الجنوب، منذ الاحد، من اجل استعادة توريت، ثاني كبرى مدن ولاية شرق الاستوائية، في اقصى جنوب السودان، بعد كبويتا التي استولى عليها المتمردون في مطلع يونيو. وردا على هذه التعبئة، اعلن المتحدث باسم الجيش الشعبي، سامسون كواجي، الموجود في ماشاكوس، بأن حركته سترد على اي هجوم. وقال كواجي لوكالة فرانس برس «سنرد، لا سيما اذا حاولوا استعادة توريت». وقال «ان التعبئة العامة امر يخصهم، لسنا معنيين ولكننا سنرد لا سيما اذا حاولوا استعادة توريت». وفي تصريحات منفصلة لوكالة «رويترز» قال كواجي ان الاستيلاء على توريت امس كان مفاجأة لهم وحكومة الخرطوم على حد سواء. وقال «امرت الحكومة قواتها البرية في توريت بالهجوم على قاعدتنا في كيالا على بعد نحو 30 كيلومترا من توريت. تلاقينا وتعقبناهم حتى بلدة توريت. وجدنا ان الامر سهل. وكان هدفا سهلا. وهى الان تخضع لكامل سيطرتنا». وقال كواجي انه ليس لديه اي احصاءات عن القتلى على الجانبين الا انه اكد تقارير اشارت الى ان القوات الحكومية تكبدت خسائر جسيمة. واضاف «انه انتصار حقيقي يسهم في رفع المعنويات». واضاف ان البلدة كانت بها حامية للجيش السوداني تضم نحو ثمانية الاف من القوات الحكومية. وقال كواجي في اتصال هاتفي من ماشاكوس «المباحثات تتواصل بالنسبة لنا ولم نبلغ بتعليقها ونحن عازمون على البقاء من اجل التفاوض ومحاولة التوصل الى تسوية سلمية للنزاع السوداني». وقال احمد ديرديري المكلف شئون سفارة السودان والعضو في الوفد الحكومي في ماشاكوس «المباحثات معلقة وسيستدعى وفدنا الى الخرطوم لاجراء مشاورات». وقال الدبلوماسي السوداني لوكالة فرانس برس في اتصال هاتفي من مشاكوس «هذا يعني ان المفاوضات انتهت في الوقت الراهن وقرار استئنافها يعود الى حكومة الخرطوم».