حسم الفريق عمر البشير الرئيس السوداني حالة بلبلة دامت ساعات باصدار قرار بتمديد احتجاز خصمه اللدود، عراب نظامه السابق الزعيم الاسلامي المعارض، الدكتور حسن الترابي، لمدة عام قابل للتجديد، معتمداً على قانون الطوارئ. وعلى الاثر شن حزب الترابي، على لسان عقيلته وبعض نشطائه هجوماً على الحكومة التي اتهموها بالتعسف. وقالت وكالة السودان للانباء (سونا) الرسمية «ان الرئيس عمر البشير وبناء على الفصل 132 من الدستور والفصل 15 من قانون الطوارئ والامن العام (لسنة 1998) اتخذ قرارا عاجلا بتجديد وضع حسن عبد الله الترابي قيد الاقامة الجبرية لسنة قابلة للتجديد». وكان الغموض خيم الليلة قبل الماضية في الخرطوم بشأن مصير الترابي. عندما اعلن على لسان علي يحيى القاضي في المحكمة الدستورية الافراج عنه الامر الذي نفاه رئيس المحكمة جلال علي لطفي في وقت لاحق. وكان المحامي محمد الحسن الامين عضو هيئة الدفاع عن الترابي واحد ابرز قيادات حزبه اعلن بعد ظهر امس الاول انه ابلغ ان المحكمة الدستورية «امرت مسئولي الامن بالافراج عن الترابي فورا» واكد في وقت لاحق احد اعضاء المحكمة القاضي علي يحيى ذلك امام الصحافيين. وبحسب القاضي يحيى فان المحكمة اعتبرت ان الفترة «المقررة قانونا» لاحتجاز الترابي «انتهت» وانه يفترض بالسلطات الامنية «ان تتخذ اجراءات للافراج عنه». غير ان وكالة الانباء السودانية نفت النبأ. وقالت الوكالة ان «المحكمة الدستورية نفت ان تكون اعطت تعليمات او اوامر بالافراج عن الدكتور حسن الترابي». واوضحت ان «رئيس المحكمة جلال علي لطفي، نفى النبأ». ونقلت عن لطفي قوله ان هناك اجراءات قيد الدرس بشأن الترابي، لكن الامر «لم يحسم بعد». وبعد ذلك بساعات اعلن قرار البشير بالتمديد وشهدت ساحة المحكمة الدستورية امس فصلا موغلا في الاثارة عندما توافد عليها صباحا ما لا يقل عن العشرين من عتاة مهنة المحاماة في السودان يتقدمهم عبدالمحمود الحاج صالح النائب العام الاسبق (الامة) وغازي سليمان المحامي (جاد) وعبدالسلام الجزولي. وغيرهم حيث اوفدوا عنهم كلاً من محمد الحسن الامين وغازي سليمان للقاء القاضي المختص بالاعتقالات والذي اصدر قرار الافراج عن الدكتور الترابي وابلغ به هيئة الدفاع. وطبقاً لمحمد الحسن الامين فإن القاضي أكد على ان قرار المحكمة الدستورية هو اطلاق سراح الدكتور الترابي واخطرهم ان القرار صدر في يوم الخميس الخامس عشر من الشهر الجاري وتم ابلاغ جهاز الامن به غير انه افادهم بأن الجهاز رد على المحكمة الدستورية بانه يحترم قرارها لكنه وصله قرار من رئيس الجمهورية باستمرار حبس الترابي ويستمر الاعتقال بموجب قرار الرئيس. وبدا محمد الحسن الامين غاضباً وهو يعلق لـ «البيان» على قرار رئيس الجمهورية بقوله ان بقاء رجل فاق عمره الـ 64 عاماً في المعتقل لأكثر من 17 شهراً وحرمانه من ممارسة حقوقه الطبيعية ناهيك عن السياسية امر يعد مخالفاً للاعراف والاخلاق والمثل الاسلامية واعتبر الامين ان قرار رئيس الجمهورية بمثابة الرصاصة الاخيرة على أية مجهودات أو آمال لعودة المياه الى الجسور في علاقة الاسلاميين ببعضهم البعض. واعترف الامين بان لائحة الطوارئ تمنح رئيس الجمهورية حق تعليق الحريات العامة لكنها تشرط ان يحدث ذلك في ظل ظروف غير طبيعية معتبراً استخدام هذا الحق في مواجهة الترابي يعد نوعاً من التعسف السياسي. وشدد الامين على ان هيئة الدفاع عن الدكتور الترابي ستدرس القرار بشكل دقيق ومن ثم ستعلن عن خطوتها المقبلة لكنه وعد بأنهم لن يتوقفوا عن التحرك الهادف لاخراج الترابي من معتقله. وبدورها سارعت وصال المهدي زوجة الترابي الى شن هجوم عنيف على الحكومة وقالت ان الحكومة «ظلت ترتعد خوفاً من الترابي وهو داخل معتقله لن تجرؤ على اطلاق سراحه» معتبرة ان استمرار حبس زوجها «ظلم بائن» ودعت جميع القوى السياسية الى مقاومة الحكومة. وقالت وصال لـ «البيان» ان ما حدث يناقض ما ظلت تردده الحكومة على لسان عدد من قادتها بأن هناك حريات وديمقراطية وشورى. وكان الترابي المنظر الاسلامي والعقل المدبر للرئيس السوداني قبل ان يبعده البشير عن السلطة، اعتقل في فبراير 2001 ثم وضع قيد الاقامة الجبرية في بيته «لاسباب امنية» منذ اكتوبر من السنة ذاتها. وكان الصراع بين الرجلين بلغ ذروته. في ديسمبر 1999، عندما قام البشير بحل المجلس الوطني السوداني (البرلمان) برئاسة الترابي الذي اقصاه عن حزب المؤتمر الوطني الحاكم في مايو 2000. وفي 21 فبراير 2001 اوقف الترابي وكوادر من الحزب الوطني الشعبي الذي يتزعمه، بتهم التحريض على اعاقة تطبيق الدستور وشن الحرب على الدولة وقلب النظام بالقوة بعد ان اصدروا مذكرة مشتركة مع الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي يخوض حربا ضد حكومة الخرطوم منذ العام 1983. وافرج عن الترابي في اكتوبر 2001، لكنه بقي قيد الاقامة الجبرية لأسباب امنية.