عجيبة هي الطبيعة فبينما تعاني بعض البلدان الاوروبية حالياً واحدة من اسوأ كوارثها المتمثلة في الفيضانات المدمرة، فان بعض مناطقها الاخرى لا تجد ماء تشربه مثلما حدث في صقلية الايطالية التي اتجهت المافيا فيها الى المتاجرة في المياه في حين ان تقارير الامم المتحدة تؤكد احتمال وفاة 76 مليون شخص في العالم بسبب نوعية المياه غير النظيفة التي يشربونها. وفي الوقت الذي يصعب فيه حتى الان تقدير الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها أوروبا بسبب تلك الفيضانات، تأتي أزمة نقص مياه الشرب لتمثل كارثة اخرى لم يُرحم منها إلا القليلون. وأشد البلدان تأثراً بأزمة نقص المياه، التي تسببت فيها الفيضانات التي دمرت المواسير والانظمة والخزانات المائية في المنطقة، هي إيطاليا، حيث تأتي المياه الصالحة للشرب لبعض المنازل والمناطق كل يومين أو ثلاثة. ولكن المدينة الأكثر تأثراً بالفعل هي صقلية التي تصل مياه الشرب إلى بعض أحيائها كل اسبوعين أو ثلاثة اسابيع، مما أدى الى حدوث حالة من الجفاف لم ير السكان مثيلاً لها طوال حياتهم. وكما تقول صحيفة «الغارديان» البريطانية فقد نجم عن تلك الازمة التي تستفحل يوماً بعد يوم ظهور صراعات وحروب على الماء بين المدن والريف حيث يحتاج المزارعون الى الماء بقدر أكبر لري حقولهم، الأمر الذي أدى الى ظهور مافيا من اللصوص تتاجر في المياه وتقوم بتحويل مسارات المياه الى من يريد ويدفع أكثر. وقد تم القبض على أكثر من فرد ومجموعة تحاول تحويل مسارات المياه الى خزانات أقيمت بطرق غير قانونية. ومن فيضانات اوروبا ومافيا المياه في ايطاليا الى احصاءات حديثة اظهرت ان ما يقرب من 76 مليون شخص في العالم معظمهم من الاطفال، يمكن ان يلقوا حتفهم بسبب امراض متعلقة بنوعية مياه الشرب بحلول عام 2020 اذا لم يتم اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة. وطبقا لصحيفة «واشنطن بوست» فقد وضعت الأمم المتحدة هدفاً يتمثل في تخفيض عدد الذين لا يستطيعون الوصول الى مياه صالحة للشرب بمقدار النصف بحلول العام 2015. ولكن حتى في حال تحقيق هذا الهدف، يمكن ان يلقى من 34 مليوناً الى 76 مليون شخص حتفهم بسبب أمراض متعلقة بمياه الشرب. ويموت عدد أكبر من الناس من الامراض المسببة للاسهال مثل الدسنتاريا بالمقارنة بالامراض الاخرى المتعلقة بالمياه، في الوقت الذي يمثل الاطفال النسبة الأكبر من هؤلاء الضحايا. يقول بيتر جليك، مدير معهد الباسفيك للدراسات التنموية والبيئية والامنية، «كل تلك الامراض ترتبط بفشلنا في توفير مياه نظيفة. اعتقد أن الصورة مفزعة للغاية، لأننا نعلم ما يتوجب فعله لمنع موت هؤلاء الضحايا. اننا نبذل بعض الجهود ولكنها ليست على المستوى المطلوب». ويضيف المسئول ان المشكلة تكمن في أن عدداً كبيراً من الشعوب، لاسيما في الدول النامية في شبه الصحراء الافريقية وجنوب آسيا، لا يستطيعون الوصول الى مياه صالحة للشرب. ويشير مسئولون اخرون الى انه في الوقت الذي يحيط الخطر بشكل أكبر بتلك الدول التي تعيش تحت خط الفقر، فإن بقية دول العالم ليست بمنأى عن الخطر، ملمحين الى تفشي جرثومة اي كولي في كندا والتي جاءت من بئر بها مياه ملوثة. يذكر ان احصاءات الأمم المتحدة تشير الى ان 11 مليار شخص في العالم يعيشون بلا قدرة على الوصول الى مياه صالحة للشرب، وأن 25 مليار آخرين يفتقدون الاجراءات الصحية اللازمة لعدم تفشي الأمراض.