حكومته بلا أغلبية، ويرفض فرض رقابة على التسلح، ويسجن معارضيه دون محاكمات .. انه جورج بوش رئيس الولايات المتحدة الاميركية لا يبدو ان فكرة الحملات العسكرية الوقائية ذات نفع في انقاذ البشرية والعالم من كومة متاعب فكرة عبثية، بل لها في احد الوجوه جدوى. خذ على سبيل المثال، جانكيز خان القائد المغولي، وتخيل العالم وكيف سيكون قبل شن غزواته واجتياحه اوروبا وآسيا، فلو قضي عليه وهو مازال زعيماً لمجرد عصابة مغولية لكنا قد انقذنا عشرات الملايين الذين قتلهم، ودمر معهم انجازاتهم الحضارية. وتخيل ازاحة نابليون بونابرت من المشهد السياسي الفرنسي خلال عودته من حملته الفاشلة على مصر، لكانت اوروبا في وضع مغاير تماما لما هي عليه الآن. على أن القرن الماضي لا يمدنا بمثل هذه الأمثلة الجيدة، طبعاً، لان تغيير النظام في برلين مطلع الثلاثينيات كان يعني الاطاحة بحكومة هتلر المنتخبة ديمقراطيا. كما ان تدخل الحلفاء عسكريا لوقف انتشار وصعود الثورة الروسية بعد عام 1918، كانت ستكون له نتائج كارثية، رغم جودة التسلح الاوروبي. مع ذلك فان جورج بوش فعل شيئا الاسبوع الماضي لارساء اسس ومعايير للضربة الوقائية «ونحن مدينون له» بتلك القاعدة بقوله: «من اجل مستقبل الحضارة يجب الا نسمح لأسوأ قادة العالم بتطوير ونشر اسلحة الدمار الشامل، لابتزاز بلدان العالم الحرة». واستطرد بوش ليحدد هؤلاء الاعداء للبشرية، ويصفهم بالنظم المارقة التي تنوي تطوير اسلحة الدمار الشامل، والحكومات التي تسجن خصومها بدون محاكمات، والتي تعجز عن ادعاء الشرعية الديمقراطية في اوطانها. من الواضح، ان بوش في سلسلة خطبه الاخيرة قد ذكر تلك النظم المارقة بالاسم لكن الاكثر وضوحا هو توصيفه وتحديده لسمات الدولة المارقة، وهو ما يعنينا. فالحكومة التي تنفق بسخاء على اشد اسلحة الدمار فتكاً وتدميرا، وتخطط الآن لزيادة ميزانيتها العسكرية بمعدل يفوق كل ميزانيات الدفاع في اوروبا، هذه الحكومة المارقة تقبع في واشنطن. فهي ليست معنية فقط ببناء ترسانات عسكرية لم يشهد لها العالم نظيراً، بل تنسحب وحدها من كل المعاهدات والاتفاقيات المخصصة للحد من انتشار التسلح النووي، وترفض فوق ذلك القبول بأي رقابة دولية لمنشآتها النووية الكيماوية. يجلس بوش على دست حكومة وسلطة بلا شرعية ديمقراطية ورغما عن الاغلبية، وفي يديها تمسك بقيادة قطاع ضئيل من الشعب ساعية لممارسة توارث الحكم وتمثل خطب بوش الاكثر عدوانية ضد اي من معارضيه واعدائه الذين يضعهم خلف جدران السجون بدون محاكمات او التمتع بحق الدفاع القديم قدم حضارة الاغريق. طبعا هناك الذين يقولون بأن التهديدات تمت مضاعفتها وتضخيمها، وانه يجب الا تخدعنا الخطب الحماسية للدعاة الدوليين عن ادراك النوايا الحقيقية لاستخدام اسلحة الدمار الشامل انتهاكاً للقانون الدولي. حقا، هذه الدولة المارقة لها تاريخ طويل وباع اطول في التدخل في شئون جيرانها، وغزو اراضيهم .. خذ على سبيل المثال بنما، هاييتي .. الخ. لكن منذ حربها الطويلة والمخزية في فيتنام تقوقعت داخل حدودها. هذه الدولة المارقة، بنظامها الغريب البغيض، مستعدة لتسميم شعبها بالفساد الرأسمالي، وقتله بالاحتباس الحراري، فقط امنحها الوقت، والضغط الخارجي، وسوف تسدد ديونها للأمم المتحدة، وتنضم لمعاهدة كيوتو ومعاهدة الحد من التسلح النووي، وتبدأ التصرف كعضو مسئول في المجتمع الدولي مرة ثانية. خلافا لهذا، يقول رجال اليمين المتشدد ان هذا هو التوقيت الذي لا يقف فيه العالم الى جوار الدولة المارقة، فلقد اظهرت واشنطن تصميمها وعزمها على فرض هيمنتها وتنفيذ ما تراه، واظهرت استعدادها لاستخدام اسلحة الدمار والقصف الجوي التي لا تعرف فرقاً بين العسكريين والمدنيين. هذه الدولة المارقة ليست صديقة للديمقراطية، اعلنت رفضها للتعامل مع زعيمين منتخبين في العالم الاسلامي محمد خاتمي في ايران وياسر عرفات في فلسطين والاخير يعتبر الوحيد في العالم العربي الذي انتخب بحضور مراقبين أوروبيين غربيين. هذه الدولة المارقة تسلح وتحمي ارهاب الدولة وعمليات الاغتيال الاسرائيلية، ونصبت اسوأ امراء الحرب والعصابات في افغانستان ووفقا لتقارير مخابراتها، ساهمت في انقلاب فاشل اطاح لفترة وجيزة بهوجو شافيز من رئاسة فنزويلا. يجب الا ينتظر العالم خطوتها المقبلة. لكن تبقى المشكلة الواقعية بينما بإمكان الحلفاء الاعتماد على قوة معارضة محلية في افغانستان فليس بالامكان تكرار هذا السيناريو مع دولة بوش المارقة، فالاقلية الناطقة بالاسبانية في الجنوب يمكن دفعها للتمرد، لكن المعارضة الديمقراطية في حالة من الضعف والتشرذم تجعلها بلا حول ولا جدوى. اذن الحل يكمن في استراتيجية «الداخل والخارج» واستخدام قوات خاصة للسيطرة على واشنطن وعدد من القواعد النووية، وترك باقي المدن والولايات تسير امورها ومن المحتمل ظهور معارضة داخلية تتحكم في واشنطن. ويطرح هذا الخيار علينا مشكلة «استراتيجية الخارج» فلا مجال لتكرار تجربة 1812، او الغزو الاميركي لليابان بعد الحرب العالمية الثانية كنموذج ويتركز هذا النموذج في فرض وصاية واحتلال خارجي لمدة خمس او عشر سنوات لتعميق الفكر الديمقراطي وترسيخ نظام انتخابي عادل ونزيه يعتمد على الاغلبية الشعبية، الغاء عقوبة الاعدام، اقامة نقابات للعمال في المحميات الصناعية التكنولوجية المتقدمة. واخضاع المؤسسات العملاقة مثل مايكروسوفت، اكسفون جنرال الكتريك للرقابة. وبمرور الوقت، يمكن للدولة المارقة السوبر ستار ان تكون قادرة على اخذ مقعدها مرة ثانية وسط الاسرة الدولية والامم المحبة للسلام.