لا شيء يحتاج الآن إلى الاصلاح قدر «الاصلاح» نفسه، فكل حملة للاصلاح تميل إلى المبالغة في الشرور التي تسعى إلى إصلاحها، لذافإنه اجمل من ذلك لا يتم الاكتفاء بابلاغ الرأي العام بما يجري بل هناك تعمد تجاه التأجيج، ولابد ان تبدو المشاكل مخيفة جدا لدرجة انه لا يمكن لأي شخص ذي تفكير سليم ان يشك في ضرورة التحرك، وغالبا ما تكون النتيجة هي ذلك الوهم بالاصلاح، ونعني بذلك تلك التغيرات التي تحدث الارتباك وتخيب الآمال وتجعل الامور اسوأ من حين لآخر، والاستنفار الحالي لتطهير الشركات الأميركية من الاحتيال الاستثماري يعتبر مثالا على ذلك. يقال لنا إن الاصلاحات القاسية فقط يمكنها ان توقف الانتهاكات المحاسبية وتعيد «ثقة» الجمهور في سوق الاسهم المتداعية، ولكن لا توجد اصلاحات يمكن تصورها قادرة بحد ذاتها على ان تدعم السوق التي يعتبر هبوطها بالاساس رد فعل على مبالغات سابقة تتعلق بالمضاربة، فسهم شركة انتل يجري تداوله الآن بحوالي 18 دولاراً، أي بانخفاض حاد عن مستوى الذروة الذي وصله وهو 75 دولاراً تقريباً، وذلك لان نشاط الشركة تدهور والسهم ارتفع كثيراً، وليس لأن الشركة كانت خادعة. وبالقدر نفسه من الاهمية، فان الكونغرس يتجنب التغيرات الاقل اثارة والتي من الممكن ان تقلل من المجازفة الاقتصادية، فقانون الضرائب الفيدرالي يشجع الشركات على قبول الدين، كما يشير إلى ذلك الخبير الاقتصادي وليام نيسكانن من معهد كاتو، والشركات بمقدورها ان تقتطع من دفعات الفائدة ولكن ليس من ارباح الاسهم، وهكذا تصبح الشركات معتمدة بشكل كبير على الديون، وفي عام 1952، بلغت نسبة الدين من صافي قيمة الشركات 40%، اما الآن، فان هذه النسبة تبلغ 75%. ولكن الكونغرس لا يفكر بتغيير قانون الضرائب، ولا يواجه مسألة خيارات الاسهم، التي أغرى انفجارها المدراء التنفيذيين بتضخيم الارباح. لماذا نندهش إذن؟ نحن نعيش في حقبة من الفضائح الاخلاقية، وكل لحظة اصلاح هي بمثابة فرصة للشخصيات العامة من السياسيين ومعلقي محطات التلفزيون وكتاب الأعمدة الصحفية للتباهي باعتقادهم الذاتي بأنهم اقوم اخلاقا من الاخرين، وهذه الحملات تصبح طقوسا من الترويج الخطابي للذات، وهذا هو السبب الذي يجعل الحملة الراهنة لاعادة الثقة في سوق الاسهم تعطي، بشكل شبه مؤكد، عكس النتائج المرجوة منها. وبدءا من الرئيس بوش فان السياسيين يتنافسون على اظهار مدى الغضب الذي يشعرون به وكيف سيكونون قاسين على «اللصوص» و«المخادعين» في الشركات، النقاد من جانبهم يصبون جام سخطهم ونقمهم على الآخرين، هل هناك تجربة خطابية أسهل من مهاجمة جشع المدراء؟ وبمشاهدة هذا المشهد اللافت، فان معظم المستثمرين العقلاء لابد وان يراودهم شعور بخيبة الامل، صحيح ان هناك فضائح حقيقية مثل فضائح شركات «وورلدكوم» و«إنرون» و«تايكو»، ولكن ضجيج الاتهامات يجعل جميع الشركات الاميركية تبدو بالوعة للخداع. يتضح هذا الشعور بالذنب من خلال نوبة الغضب الشعبي، وإذا لم يكن هناك احد يمكن الوثوق به، فلماذا البقاء في السوق؟ إن العلاقات العامة هي التي تقود سياسة «الاصلاح» والنقاشات تؤكد على ضرورة تصحيح الاخطاء وبواطن الخلل بدلا من ان تؤكد على وضع خيارات بغيضة. والازعاج الحالي يتمثل في ان ضعف سوق الاسهم ـ الذي يريد الجميع علاجه ـ غير ناجم بشكل جوهري عن هفوات محاسبية، والتي هي محور «الاصلاحات»، وربما يكون العكس هو الصحيح، ولنسترجع بعض الارقام المألوفة: تبلغ نسبة السعر إلى الارباح التاريخية لدى الشركات الـ 500 المسجلة على مؤشر ستاندرد اندبور حوالي 14، وهو ما يعني ان كل دولار من ارباح الشركات ينتج عن معدل سعر للسهم يقارب 14 دولارا، وفي ذروة نشاط السوق، فان نسبة السعر إلى الارباح الاخيرة في السوق ارتفعت إلى منتصف الثلاثينات. وعندما تصل اسعار الاسهم إلى مستويات غير ثابتة، فان هبوطها الحتمي سيوجد حالة من الاستياء. والاشخاص الذين يبيعون اسهمهم عند القمة أو قريبا منها فانهم يثيرون الحسد، واذا كان من ضمن هؤلاء الاشخاص مدراء للشركات «كما يحصل عادة» فمن الطبيعي ان تكون هناك شكوك بأنهم كانوا يعرفون اشياء لم يعرفها غيرهم، وستشعر الشركات بالاغراء لاتخاذ اجراءات محاسبية مختصة لدعم اسعار الاسهم، ولكن المشكلة الرئيسية مع السوق المرتفعة الاسعار هي الاستثمار المتهور وليس المحاسبة المتهورة، والاشخاص الذين اتخذوا قرارات خاطئة انما اتخذوها لانهم كانوا سذجا أو جشعين وليس بسبب معلومات خاطئة كانت لديهم. وعلى الرغم من ان هذا الامر يبدو واضحا، الا انه من الخطر قول ذلك من ناحية سياسية، ففي نهاية المطاف يصوت المستثمرون العاديون في الانتخابات، وحتى الصحافة والنقاد لا يركزون على الحقائق المجردة لانه يبدو ان من الفظاظة القاء اللوم على ضحايا السوق في المحنة التي يعانون منها، ومن الافضل توجيه اصبع الاتهام إلى جشع الشركات وازدواجيتها، الامران اللذان يمكن علاجهما بـ «الاصلاح». ان بعض الاقتراحات المطروحة على الكونغرس قد تعمل على تحسين مستوى التعويل على المحاسبة، ولكن الاسواق المالية يمكن ان تعالج نواقص المحاسبة بصورة اسرع من الكونغرس، وفي ضوء تضررهم من الكشوفات المالية المضللة، فان المستثمرين الكبار «صناديق التقاعد، واتحادات الشركات، وشركات التأمين» تطالب بمزيد من التفاصيل والوضوح والشركات التي تعتبر ارقامها موضع شك ستعاني من خلال انخفاض اسعار الاسهم، وحتى ان بعض الشركات ـ وابرزها كوكاكولا ـ قررت تضمين نفقات خيارات الاسهم في كشوفات الدخل. وعلى النقيض من ذلك، فان بعض «الاصلاحات» الصادرة عن الكونغرس تبالغ بشكل واضح، فبنتيجة تصويت 97 صوتا مقابل لا شيء، أقر مجلس الشيوخ نصا قانونيا يجعل «كلمة خطة أو حيلة» تسلب أموال المستثمرين بالخداع جريمة، ان من شأن هذه اللغة الشاملة ان تجرم بصورة غير حكيمة أي حكم سييء على نشاط الاعمال وان تستدعي تحقيقات عشوائية من قبل مدعين عامين طموحين، وان ظاهر هذه اللغة سياسي صرف، فهي تتيح لاعضاء مجلس الشيوخ ان يتحايلوا على كيفية قذف قطاع الطرق في الشركات في وجه عاصفة النقد العاتية، انها خدع صوتية هائلة. المشكلة هي ان الناس يصغون إلى تلك الخدع الصوتية، وعندما تصل إلى مقدار حرج، فانها تبدأ بتغيير المزاج الوطني، و«الاصلاح» في نهاية المطاف هو تمرين في تحسين السمعات السياسية ولكن ليس بالضرورة تحسين المصلحة العامة أو الثقة الشعبية.