تعتبر فضيحة شركة «وورلدكوم» أحدث اضافة في أسطورة اقتصادية جديدة، فالاسطورة القديمة كانت تقول ان الانترنت و«الاقتصاد الجديد» يعدان بحدوث ارتفاع في سوق الاسهم وبازدهار خال من القلق، أما الاسطورة الجديدة فتذهب إلى القول إننا نتعرض للاستغفال من جشع الشركات، الذي يؤدي إلى تخفيض اسعار الاسهم وتدمير «الثقة». ومن نواح معينة، فان الامر يعاد التأكيد عليه من جديد، وهو ما يتيح لنا ان نؤمن بأن تطهير الشركات من المدراء غير الشرفاء وفرض الاصلاحات المناسبة سيجعل الامور تسير على ما يرام، ولكن للاسف، فان هذا الاعتقاد خاطيء ايضا، فالتصرفات الاخلاقية من جانب الشركات أدت إلى تغذية التشاؤم ودفعت بعض المستثمرين إلى بيع الاسهم بثمن ابخس، وقد تم مؤخرا، نشر المادة التالية التي تحمل عنوان «تعريفات محاسبية لدى ناسداك» على شبكة الإنترنت وذلك بواسطة البريد الالكتروني: «إبيتا»: وتعني الارباح قبل أن قمت بخداع المدقق المغفل. «إبيت»: الأرباح قبل المخالفات والتلاعب. سي إي أو: مسئول الاختلاس الأول بدلا من الرئيس التنفيذي. سي أف أو: مسئول الاحتيال في الشركة. إي بي أس: حكم نهائي بالسجن. ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن سوق الاسهم يشهد انخفاضا فقط لأن المستثمرين قد «فقدوا ثقتهم» بنظام المحاسبة في الشركات، فأسعار الاسهم انخفضت لانها، مقارنة بعلامات الاحالة التاريخية «الارباح، عوائد الاسهم، المبيعات، الاصول» قد ارتفعت إلى مستويات عالية جدا في سنوات التسعينيات، وبالتالي فان الانقلاب الحاد كان أمرا لا مفر منه، ويقدر بيتر أوبنهايمر، وهو محلل يعمل لدى شركة «أتش أس بي سي» للاستثمار، بأن مؤشر ستاندرد أندبورز قد يحتاج إلى الانخفاض إلى ما بين 750 و840 نقطة لكي يستعيد حالته السابقة لفترة «ما قبل الفقاعة». ان هذا الامر قد يحدث «أو لا يحدث»، ولكنه يشير إلى أي مدى ابتعدت الاسهم عن نطاقاتها التاريخية، حيث انخفض مؤشر «أس أند بي» مؤخرا إلى ما دون مستوى 1000 نقطة، وهو ما يعتبر انخفاضا بمعدل الثلث عن اعلى مستوى بلغه وهو 152746 نقطة في الرابع والعشرين من مارس عام 2000، وعلى نحو مماثل، فانه من الخطأ الاعتقاد بأن شركة «وورلدكوم» هي أساسا ضحية لممارساتها غير الاخلاقية الداخلية، فحتى قبل ظهور الفضيحة المتعلقة بالحسابات، كانت الشركة على حافة الافلاس، وفي يونيو عام 1999، وصل سعر سهم الشركة إلى 6450 دولاراً، وقبيل ذيوع الفضيحة مؤخرا، كان يتم تداول سهم الشركة بـ 83 سنتا، ويقول العالم الاقتصادي روبرت كراندال من معهد بروكنفز إن سوق الاسهم خلصت إلى نتيجة مفادها ان معظم الشركات الرئيسية مثل «إيه تي أند تي» و«سبرينت» و«كويست»، وكذلك «وورلد كوم» ستجد صعوبة في البقاء بصورة مستقلة، خذ شركة «إية تي أند تي» على سبيل المثال، حيث يتم تداول سهمها في الوقت الحاضر بحوالي 10 دولارات للسهم الواحد، وهو سعر يقل عن ربع أعلى مستوى بلغه، ويعكس الجانب الاكبر من ذلك السعر قيمة أنظمة التلفزيون بالكوابل التابعة لشركة «إيه تي أند تي»، التي يجري دمجها في نظام واحد يدعى «كومكاست» وحالما يتم ازالتها، فلن يبقى الكثير لنشاط الاعمال بعيد المدى، كما يقول كراندال، فمن جهة، يتم بشكل متزايد تحويل الحركة إلى الهواتف اللاسلكية والبريد الالكتروني، ويقدر كراندال انه بمجيء عام 2000، كان الاتصال بعيد المدى أقل بـ 17% عن المستويات المتوقعة ومن جهة اخرى، فان المنافسة من أجل الحصول على الزبائن قد ادت إلى تخفيض الاسعار، وفي الفترة من عام 1992 إلى عام 2000، انخفض متوسط العائد على المحادثة الهاتفية البعيدة من 87 سنتات إلى 63 سنتات، كما يقول كراندال، وادت الحركة الضعيفة والاسعار المنخفضة إلى اندلاع كارثة، ففي الفترة من عام 1999 إلى عام 2001، انخفضت العائدات من النشاط الاستهلاكي البعيد لشركة «إيه تي أند تي»، بمقدار 67 مليارات دولار أو بمعدل 31%، واخيرا فان الحركة على الإنترنت، التي كانت تشكل المبرر لعمليات اقتراض هائلة من اجل بناء شبكات ضخمة من الالياف البصرية، كانت مخيبة للآمال، والنتيجة هي افراط كبير في القدرة الاستيعابية، وتواجه شركات الاتصالات بعيدة المدى اعباء مديونية ثقيلة بدون وجود النمو القوي المطلوب لتغطية التكاليف ونفقات الفائدة. وشركة «وورلدكوم» على سبيل المثال، لديها حوالي 32 مليار دولار في قروض السندات والبنوك غير المسددة، ولا أحد يستطيع ان يدافع عن الانتهاكات المحاسبية المزعومة التي قامت بها «وورلدكوم»، ولكنها تعد نتيجة لمشكلاتها اكثر من كونها سببا لها، ولو كان النشاط الاساسي لشركة «وورلدكوم» أهلا للثقة بصورة اكبر، لكان الضغط من اجل التمويه على النفقات ـ والارباح المبالغ بها ـ اقل، وفي الواقع ان شركات الاتصالات بعيدة المدى ما هي إلا احدث الضحايا في انهيار اوسع للاتصالات عن بعد، ولكن انهيارا اخلاقيا لا يفسر ما جرى، فالاسباب الاساسية تتمثل في تفاؤل مفرط بشأن تقنية الانترنت وتنظيم حكومي مهمل، ان الحكايات الاخلاقية تعتبر مغرية، فهي تعبر عن غضب مشروع، وهي بسيطة ويمكن فهمها، وتتلخص في عبارة الخير مقابل الشر، وتقول حكمتها: تخلص من الاشرار، عندها يستطيع الاخيار ان ينتصروا. وشجعت سوق الاسهم المفرطة في النشاط في أواخر التسعينيات على ظهور اخلاقيات فضفاضة تتمثل في التعامل بالمضاربة والافراط في استخدام خيارات الاسهم والمحاسبة المضللة، وبينما كانت السوق ترتفع، لم يكن احد يولي الامر أي اهتمام، فالارباح الرأسمالية اوجدت اخلاقياتهم، وفي ظل الخسائر، فان الناس الان يشعرون بالغيظ تجاه الانحرافات الاخلاقية، ولكن بساطة الحكايات الاخلاقية ذاتها يمكن ان تكون مضللة. فعندما قامت شركة «وورلدكوم» مؤخرا، بفصل 17000 موظف يعمل لديها، فان هؤلاء الاشخاص كانوا ضحايا للاقتصاد السييء للاخلاق السيئة، وبوجود فضيحة محاسبية أو عدم وجودها، فان الشركة كانت بحاجة ماسة إلى تخفيض نفقاتها والمحافظة على السيولة النقدية، وعندما اعلنت شركة موتورولا عن نيتها فصل 7000 عامل، فان اولئك الاشخاص كانوا ضحايا للاقتصاد السييء وليس للاخلاق السيئة، فالطلب على منتجات الشركة «رقائق الكمبيوتر، الهواتف اللاسلكية»، قد انخفض، والهوس الجديد بالجريمة في نشاط الاعمال هو هوس لا متوازن كما هو الهوس القديم بـ «الاقتصاد الجديد» المصطنع، وفي سنوات التسعينيات المتهورة، افرطت الشركات في استثمارها واسرف المستهلكون في انفاقهم، وكان بمقدور حالات الافراط تلك ان تسبب عمليات تقليص مستمرة من قبل الشركات والاسر من شأنها ان تؤدي إلى تقليل الوظائف والارباح، وسيكون تجاوز هذه التركات اصعب بكثير من عملية قذف الانزال إلى الخارج.