مع بروز تواطؤ اميركي اسرائيلي لتجميد عملية السلام حتى الخريف المقبل وافساح المجال لاطراف اوروبية وعربية لتتولى ملء الفراغ وتهدئة الاوضاع لجأ ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني، إلى تحريك الشارع الفلسطيني بمظاهرات عارمة في غزة تتمسك بزعامته واجراء تغييرات مفاجئة في الاجهزة الامنية ابرز من طالتهم جبريل الرجوب مسئول الامن الوقائي في الضفة الغربية الذي ظل حتى مساء امس ينفي نبأ اقالته وتمسكه بمنصبه رغم اقراره ان عرفات عرض عليه منصب محافظ جنين التي سيحل محافظها الحالي زهير مناصرة محله في حال تأكدتت اقالته في بداية عملية تغيير شاملة وفقاً لوصف مصادر فلسطينية وذلك لمحاولة احتواء الضغوط الاميركية الرامية لاحالة عرفات إلى رئيس فخري واستحداث منصب رئيس الوزراء وهو الاقتراح الذي نقلته بريطانيا للرئيس الفلسطيني، فيما جدد كولن باول وزير الخارجية الاميركي دعوته إلى وجود قيادة فلسطينية جديدة معلناً عن اجتماع قريب مع المجموعة الرباعية وزعماء عرب. وكانت مصادر اميركية علقت على خطاب جورج بوش الرئيس الاميركي الاخير بالقول انه يمثل انسحاباً من عملية السلام وتجميدها إلى حين اتمام الانتخابات النصفية للكونغرس الاميركي المقررة في الخريف المقبل لتفادي ضغوط اللوبي اليهودي واليمين المسيحي. ورغم تصريحات بنيامين بن اليعازر رئيس حزب العمل ووزير الحربية الاسرائيلي خلال مؤتمر حزبه امس الاول الرافضة للانسحاب من حكومة ارييل شارون الا ان شلومو بن عامي وزير الخارجية السابق والقيادي في الحزب كشف امس انه حصل من بن اليعازر على تعهد بالانسحاب من هذه الحكومة بحلول نهاية الشهر الحالي. ويعني ذلك حل هذه الحكومة والتوجه لانتخابات مبكرة تدخل عملية السلام في جمود على الاقل لستة شهور وهو ما يشير إلى تواطؤ خفي في هذا المجال. وفي هذه الاثناء تنشط الدبلوماسية الاوروبية والعربية لملء الفراغ وضمان عدم تدهور الاوضاع خلال الفترة المقبلة حيث اعلن مايك اوبراين وزير الدولة البريطاني للشئون الخارجية امس انه حصل على تعهد من عرفات بوقف العمليات الاستشهادية بالتزامن مع تقارير تحدثت عن جولة ثانية ومقبلة في المنطقة لوزير الخارجية الفرنسي الجديد دو نيلبان. وفي بيان نشر امس في كوبنهاغن قال بيير ستيغ موللر وزير الخارجية الدنماركي الذي تتولى بلاده رئاسة الاتحاد الاوروبي اثر لقاء مع كوندوليزا رايس مستشارة الامن القومي الاميركي انه قدم باسم الاتحاد بعض الافكار لاعادة اطلاق عملية السلام وخصوصا في ما يتعلق بالاصلاحات (داخل السلطة الفلسطينية) والانتخابات الفلسطينية المرتقبة في يناير المقبل. وقال ان «هذه المقترحات لاقت ترحيبا جيداً من كوندوليزا رايس» مضيفا «انه اجرى نقاشا طويلا وجيدا حول الوضع في الشرق الاوسط». واضاف «اشعر ان هناك امكانية لتوجيه عملية السلام في طريق جديدة واقعية قد تفضي إلى تحقيق رؤية الرئيس بوش لدولتين مستقلتين تعيشان جنبا إلى جنب بسلام وامن». وفي اشارة إلى اتجاه الادارة الاميركية للتهدئة تجنب ممثلو اللجنة الرباعية (اميركا وروسيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة) خلال اجتماعهم امس الاول في لندن بحث موضوع زعامة عرفات واكتفوا بتشكيل لجنة للمساعدة في الاصلاحات الفلسطينية. وفي ذات الاتجاه اشاد وليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الاميركي بالتغييرات الاخيرة في اجهزة الامن الفلسطينية واصفاً اياها بخطوات مهمة باتجاه تنفيذ برامج المئة يوم الاصلاحي الذي اعتمدته السلطة الفلسطينية. في غضون ذلك اعلن كولن باول وزير الخارجية الاميركي انه سيجتمع قريباً مع ممثلين «لرباعي» الوساطة في عملية السلام بالشرق الاوسط ومع زعماء عرب في محادثات جديدة بشأن الصراع الاسرائيلي الفلسطيني. ولم يفصح باول في مقابلة مع رويترز التي جرت معه عن موعد او مكان اجراء محادثات مع زعماء عرب او بشأن الاجتماع التالي للمجموعة الرباعية. وقال باول ان بيرنز الذي رأس الوفد الاميركي في محادثات مع مبعوثين للشرق الاوسط في لندن يوم الثلاثاء سيبحث القضية غداً الجمعة وهم يستطلعون الخطوات التالية بشأن عملية السلام. وقال باول «اتوقع ان تشمل الخطوات التالية الاجتماع بيني وبين اعضاء رباعي مدريد ومع زعماء عرب». واضاف «ليس لدي توقيت محدد لكنه لن يكون في المستقبل البعيد جداً... ليس لدي موعد فحسب». وبعد ان كان باول يتمسك بموقفه من ان عرفات هو الزعيم المنتخب وانه الشخص الذي يجب التعامل معه قال انه ليس لديه خطط للتحدث إلى عرفات في الوقت القريب. وقال باول ان الولايات المتحدة لا تحاول ان تملي رأيها على الدول الاخرى المشاركة في عملية السلام في الشرق الاوسط وقال ان بيرنز سيجتمع مع نظرائه الفرنسي والالماني والبريطاني في باريس. وقال «ابلغناهم اننا نعتقد انه.. حتى لا يكون هناك احساس بخيبة الامل مرة اخرى سنحتاج إلى زعماء آخرين يتم تحديدهم من داخل المجتمع الفلسطيني يمنحون السلطة للعمل معنا والسلطة لاتخاذ القرار». وقال باول «ولذلك فإن هذا يحتاج إلى بعض التغيير في الطريقة التي نتعامل بها وإلى ان نرى ذلك فإننا لا نعتقد انه يمكننا العمل مع القيادة الحالية برئاسة عرفات». وقال ان الآخرين يفهمون ذلك. واضاف «وكل منهم حر في تحديد اختياره فيما يتعلق بمن الذي يريدون الاجتماع معه». واضاف «اننا لا نحاول ان نملي رأينا عليهم». لكنه اضاف «اوضحنا لهم رغم ذلك انهم اذا كانوا على اتصال بعرفات وبآخرين فاننا نأمل منهم ان يقوموا بتوصيل الرسالة القوية مرة اخرى التي وردت في خطاب الرئيس». وقال باول «وأوضح (بيرنز) اننا نعتقد ان هناك حاجة إلى قيادة جديدة وإلى دينامية جديدة داخل المجتمع الفلسطيني لكننا نريد العمل معاً لاعداد خطة عمل بشأن كيف يحدث التحول». وفي اشارة إلى محاولة عرفات احتواء الضغوط الاميركية اكد مسئولون فلسطينيون بينهم عزام الأحمد وزير الاشغال اتخاذ عرفات قراراً يقضي باحالة جبريل الرجوب مسئول الامن الوقائي في الضفة الغربية وتعيين زهير مناصرة محافظ جنين بدلاً منه وذلك بعد قرار مماثل باقالة غازي الجبالي قائد الشرطة الفلسطينية. واثارت انباء اقالة الرجوب التي لم تتأكد رسمياً لغطاً كبيراً وردود افعال متضاربة سيما وان الرجوب اعلن انه لم يتلق مثل هذا القرار متهماً جهات لم يسمها بمحاولة تلفيق اكاذيب للاضرار بالاجهزة الامنية. واكد الرجوب في تصريحات لـ «الجزيرة» انه لا يزال على رأس منصبه ولن يقبل بأي منصب آخر متهما جهات خارجية لم يذكرها بمحاولة عزله ترضية لجهات داخلية كما قال. وفي تصريحات اخرى لرويترز قال الرجوب: «اظن ان البعض يحاول المساس بكامل جهاز الامن وتسريب الاكاذيب والقصص التي لا اساس لها من الصحة». ووجه الرجوب في لقاء مع مراسلي وسائل الاعلام الاسرائيلية، انتقاداً ضمنياً لقيادة السلطة الفلسطينية قائلاً: «اسألوا اولئك الذين تحدثوا ونشروا اكاذيب كهذه!». واضاف: «لا يستبدل القادة بهذا الشكل. انا في منصبي»، لكنه اوضح بأنه على استعداد لاحترام توجيهات القيادة السياسية فقال: «لن يكون هناك تمرد او حرب اهلية». لكن بعض المصادر ذكرت ان انصار الرجوب يمارسون الضغوط على عرفات بالتلويح بالاستقالة للتراجع عن قرار اقالة الرجوب. وافادت مصادر في حركة فتح ان جبريل الرجوب ليس دقيقاً في قوله انه لم يستلم بلاغاً بالتنحية، فقد اتصل امس الاول به احد وزراء السلطة الفلسطينية وابلغه رسالة من عرفات مفادها القرار بنقله من منصبه. لكن مصادر فلسطينية تحدثت امس عن احتمال تعيين الرجوب مستشاراً امنياً للواء عبدالرزاق اليحيى وزير الداخلية الجديد فيما اكد الرجوب نفسه ان عرفات عرض عليه منصب محافظ جنين. وقال مسئول فلسطيني رفيع رفض الكشف عن هويته «لقد بدأ الرئيس عرفات بالفعل خطوات حقيقية نحو التغيير. انه يدرك حجم الضغوط الخارجية والمحلية والاقليمية التي يتعرض لها». واضاف «هناك عملية تغيير شاملة قد بدأت ولكن لا نعرف بالضبط كيف ومتى ستنتهي». وقال مسئول امني لوكالة فرانس برس «لم نكن نتوقع ان يتخذ الرئيس خطوة متقدمة كهذه». واضاف «هذا يعكس حجم الازمة وحجم الضغوطات التي يتعرض لها». وقال مسئولون ان الادارة الاميركية نقلت اقتراحاً إلى السلطة الفلسطينية بوساطة بريطانية تدعو إلى اجراء تغيير يشمل هرم السلطة ويتيح لشخصيات اخرى غير الرئيس عرفات في التقدم إلى منصب صناعة القرار من خلال استحداث منصب رئيس وزراء». ولم يتسن الحصول على تفاصيل اضافية، لكن المصادر ذاتها اشارت إلى ان الاقتراح ينص ايضا على ان «يظل عرفات رئيساً فخرياً». وفي مواجهة ذلك بدأت حركة فتح في تحريك الشارع الفلسطيني حيث شهدت مدينة غزة مظاهرة ضخمة شارك فيها الآلاف وتقدمها المئات من عناصر كتائب الاقصى الجناح العسكري للحركة انتهت امام مقر عرفات المدمر على شاطيء البحر. واكد المتظاهرون رفضهم القاطع لخطاب بوش والتفافهم حول زعامة الرئيس الفلسطيني وتوعدوا «أي عميل يجرؤ على تقديم نفسه كبديل لعرفات» بالاعدام. في غضون ذلك بدت حتى حكومة شارون الامنية معنية بالتهدئة حيث اقرت امس السماح لخمسة آلاف عامل فلسطيني بدخول اسرائيل كما قررت قصر حظر التجول في مناطق السلطة المحتلة على ساعات الليل فقط في حين تحدثت مصادر ان جيش الاحتلال سيبقى في مناطق السلطة حتى نهاية العام الحالي. لكن حملة الاعتقالات تواصلت امس في الضفة الغربية وطالت اكثر من 30 فلسطينياً معظمهم من حركة حماس فيما تمكن مقاومون من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من شن هجوم جريء ضد جنود الاحتلال في قطاع غزة فأصابوا اثنين قبل ان يقع اثنان منهم في الاسر.