مع انقشاع ضباب الابتهاج الاسرائيلي بخطاب جورج بوش الرئيس الاميركي صحت الدولة العبرية على استحقاقات يتوجب دفعها بحسب ما ورد في الخطاب والخاصة بوقف الاستيطان، والانسحاب من مناطق السلطة الفلسطينية التي بات 700 الف من سكانها يخضعون لحظر التجول في وقت قتلت الدبابات الاحتلالية امس احد اطفال مخيم جنين. ومع اعلان السلطة رسمياً خطتها للاصلاح وفي مقدمتها انتخابات رئاسية منتصف يناير 2003 واعلان الدستور منتصف يوليو المقبل ربط بوش تقديم مساعدات اقتصادية ومالية للفلسطينيين باجراء اصلاحات اساسية مكثفاً من ضغوطه لإزاحة ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني عن السلطة مهدداً باستخدام الخيار العسكري لوقف ما أسماه «الارهاب» الفلسطيني في حين بدت إدارته عاجزة عن التعامل مع احتمال فوز عرفات ثانية بالرئاسة وسط اتصالات غير رسمية تجريها مع شخصيات فلسطينية لاحالته إلى منصب فخري والبحث عن قيادة جماعية بديلة له. وبعد ضجة الانتصار الصهيونية التي اعقبت خطاب بوش لوحظ امس تحول في المزاج الاسرائيلي تجاه مضمون هذا الخطاب حيث نقلت «يديعوت احرونوت» العبرية عن ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي قوله للجنة الامن في الكنيست ان خطة بوش «ليست سيئة للعرب» واصدر اوامره بحسب الصحيفة لاركان حكومته بتقليل ردود افعالهم المبتهجة. الصحيفة نفسها نقلت عن شيمون بيريز وزير الخارجية الاسرائيلي قوله في اجتماع لقادة حزب العمل «ماذا يجرى في داخل السلطة الفلسطينية حتى اقامة الانتخابات؟ ماذا يحدث اذا انتخب عرفات ثانية؟ ماذا يحدث اذا صعدت السلطة قوى اكثر تطرفاً والفرص لذلك معقولة؟». واضاف «ان خطاب بوش لا يعطي اي امل للمستقبل وهو سيعقد الوضع اكثر فأكثر. الفلسطينيون لم يحصلوا على افق سياسي لذلك سيردون بيأس اكثر واحباط اكثر الامر الذي يعني عمليات اخرى نحن لا نستطيع التدخل في مسألة من ينتخبه الفلسطينيون زعيما لهم». وفي هذا الاطار نقلت «معاريف» امس عن مصادر اجهزة الامن الاسرائيلية قولها ان الفلسطينيين سيوجهون رسالة لبوش مفادها انه لن يدير الشرق الاوسط وذلك عبر تنفيذ عدة عمليات استشهادية متزامنة في مدن اسرائيلية مختلفة. في موازاة ذلك عقد صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين امس مؤتمراً صحفياً اعلن خلاله خطة حكومة السلطة الجديدة للاصلاح التي تتضمن انتخابات رئاسية وتشريعية منتصف يناير 2003 تعقبها في مارس انتخابات بلدية حيث يبدأ التحضير لها في غضون شهر. كما تتضمن الخطة اعلان الدستور الفلسطيني منتصف يوليو المقبل ودمج جهازي الامن الوقائي والشرطة المدنية بوزارة الداخلية. وبحسب معاريف باشرت الادارة الاميركية في تشكيل مجموعة خبراء دوليين للاشراف على الانتخابات الفلسطينية الا انها بدت حائرة امام نتائجها المتوقعة وابرزها اعادة انتخاب عرفات رئيساً، خصوصا وانه قرر كما أعلن نبيل شعث وزير التخطيط والتعاون الدولي انه سيرشح نفسه في الانتخابات الرئاسية المقبلة. ومرد هذه الحيرة التضارب الحاصل بين تصريحات معسكر وزارة الخارجية الذي يقوده كولن باول وزير الخارجية والجناح المتشدد في ادارة بوش الذي يقوده ديك تشيني نائب الرئيس وكوندوليزا رايس مستشارة الامن القومي ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع. فقد ذكرت مصادر الخارجية ان باول اجرى عشرات الاتصالات «المشجعة» مع مسئولين عرب واجانب في وقت توجه الوزير الاميركي عبر «راديو سوا» الذي اسسته واشنطن لمخاطبة الرأي العام العربي بالقول «لا تنسوا ان خطة بوش تتضمن التوجه نحو انهاء الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة ووقف الاستيطان وتحسين حياة الفلسطينيين». واضاف «اسرائيل مطالبة مثل الفلسطينيين بالوقوف ضد الارهاب والعنف واستئناف المفاوضات الامنية بين الجانبين». وفيما آثر باول الغموض في سيل تصريحات اطلقها الليلة قبل الماضية عبر عدة محطات تلفزة حول التعامل مع عرفات في حال فوزه بالقول «سنبحث ذلك في حينه» الا ان ريتشارد باوتشر المتحدث باسم وزارته قال ان واشنطن مازالت تعتبر عرفات زعيماً. وقال في بيان صحفي «انه حاليا في مركز القيادة وسوف نستمر في انتظار ان يضطلع بالمسئولية وان يمارس سلطته ويفرض قيادته». واضاف قوله انه «يجب على القيادة الفلسطينية ان تمضي قدما.. في هذه القضايا الخاصة بانشاء مؤسسات جديدة وقيادة يمكنها دعم الدولة الجديدة». واوضح مسئول آخر في الوزارة ان واشنطن تتفهم ان عرفات يرى في الدولة الفلسطينية خاتمة مسيرته السياسية وقال «نأمل انه سيتنحى عند انجاز مهام منصبه». وكان باول اوضح ان الاتصالات الاميركية مستمرة مع القادة الفلسطينيين ومن بينهم عرفات عبر رونالد شليكر القنصل الاميركي في القدس. وعلى النقيض من ذلك قالت «يديعوت» نقلاً عن مصادرها ان الادارة الاميركية باشرت اتصالات غير رسمية مع شخصيات فلسطينية ابرزها محمد دحلان وجبريل الرجوب ومحمود عباس وياسر عبدربه بحثاً عن بدائل لعرفات. واوضحت ان خطة بوش المقترحة ان يتولى عرفات منصباً فخرياً فيما يدير مسئول واحد قطاع غزة وواحد او اثنان آخران الضفة الغربية. يذكر ان شارون ابلغ كوندوليزا رايس شكره على خطاب بوش في وقت روجت تقارير ان وثائق كان سلمها لها عبر مبعوثين تدين عرفات بدفع اموال لتمويل العمليات الاستشهادية الاخيرة كانت الشرارة التي فجرت الغضب الاميركي ضد الرئيس الفلسطيني. وفي الاطار نفسه اعلن بوش امس ان الولايات المتحدة ستشترط قيام الفلسطينيين باجراء اصلاحات اساسية في المجالات السياسية والاقتصادية والامنية قبل تقديم مساعداتها لهم. وقال بوش اثر مباحثاته مع توني بلير رئيس وزراء بريطانيا، على هامش قمة الثماني بكندا، استطيع ان اؤكد لكم اننا لن ندفع اموالا لمجتمع لا يتمتع بالشفافية وفاسد، وافترض ان تفعل دول اخرى بالمثل. وقال بوش أنه يثق بأن الفلسطينيين سيتخذون القرارات الصائبة عندما يدركون تماماً ما نقوله. وقال أنه سيستخدم الضغوط الدبلوماسية لحمل الفلسطينيين على نبذ «الإرهاب» لكنه أضاف «لا استبعد أبداً الخيار العسكري كل الخيارات متاحة، نستخدم أحياناً القوة العسكرية ولن نستخدمها أحياناً أخرى وبالنسبة للشرق الأوسط أن الخريطة التي وضعتها تدعو كل أصدقائنا وحلفائنا للانضمام والتوحد في مواجهة الارهاب». من جهته اعتبر بلير انه من الضروري ان تكون هناك قيادة فلسطينية جدية للتفاوض مع اسرائيل حول السلام مكافحة الارهاب. واعلن بلير «نحن في حاجة الى من هم قادرون على التفاوض، الى من يكونون جديين للتفاوض حول قضايا الامن والاصلاحات السياسية الضرورية حتى تمضي عملية السلام قدما». وقال رئيس الوزراء البريطاني لقد عقدت مع الرئيس عرفات ثلاثين اجتماعا خلال السنوات الماضية، مضيفا لدينا وضع لم نتمكن فيه من التوصل الى تقدم وهناك موقف ازاء الارهاب لا يتماشى مع مفهوم امن اسرائيل. غير ان الغضب الاميركي هذا تزامن مع ضغوط على شارون نفسه حيث ذكرت «يديعوت» امس ان ادارة بوش بدأت تطالب اسرائيل بالانسحاب من مناطق السلطة وعدم انتظار القيادة الفلسطينية البديلة. ونقلت الصحيفة عن مسئول اميركي قوله ان «اسرائيل لا يمكنها الجلوس مكتوفة الايدي وعدم اتخاذ اجراء من جانبها. اننا نتحدث عن مسار متوازن وليس تسلسلياً، يطالب فيه الفلسطينيون والاسرائيليون باتخاذ اجراءات محددة». وكان الاحتلال الجديد خلف 700 الف فلسطيني يعيشون تحت حظر التجول في مناطق السلطة التي شهدت امس نحو 20 حالة اعتقال فيما اختطف الجنود الاسرائيليون 22 آخرين من بلدة طوباس وحدها. وفتحت دبابة صهيونية امس النار على اطفال في مخيم جنين وقتلت احدهم والذي لا يتجاوز عمره ست سنوات.