فور اعلان جورج بوش الرئيس الاميركي خطته التي ربط فيها انطلاق عملية السلام بتغيير القيادة الفلسطينية لاحت بوادر فشل هذه الخطة عبر اجماع دولي، واسع ضد تغيير ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني وهو الشرط الذي اعتبرته اسرائيل نصرها الابرز في الخطة التي وصفتها بالليكودية والتي تتمشى مع الحل المرحلي الذي يتمسك به ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي، في وقت واجه عرفات الاصرار الاميركي على احالته الى التقاعد بالاعلان ان الشعب الفلسطيني وحده يختار زعيمه واقر انتخابات رئاسية وتشريعية في يناير المقبل في وقت تغطى جيش شارون مجددا بالموقف الاميركي واكمل امس احتلاله لكافة مدن السلطة الفلسطينية باستثناء اريحا حيث قتل اربعة من افراد الامن الفلسطيني ومدنيين آخرين واسر نحو 150 شرطيا، واطلقت مساء أمس ثلاث قذائف هاون على مستوطنة موراغ جنوب غزة دون اصابات او اضرار. وفيما سعى الجانبان الفلسطيني والاسرائيلي لابراز بنود الخطة التي تعزز موقفيهما حيث ركز الفلسطينيون على دعوة بوش لسحب الجيش الصهيوني ووقف الاستيطان والدولة الفلسطينية وفق جدول الثلاث سنوات الزمني الا ان كفة انتصار نهج شارون في الخطة الاميركية نجحت حيث كان ابرز وجه لهذا الانتصار الدعوة الحازمة لتغيير قيادة عرفات الذي اعتبره بوش شرطا لاطلاق عملية السلام واقامة الدولة الفلسطينية. وتراوحت ردود افعال اوساط حكومة شارون ما بين اعتبار خطاب بوش ليكوديا والدعوة لمنحه وسام الصهيونية وما بين اعتباره ضوءا اخضر لاسرائيل لاطاحة عرفات. لكن اصواتا اسرائيلية علت من خلف ضجة الابتهاج الاسرائيلي اشارت الى بوادر فشل خطة بوش وابرزها وصف شيمون بيريز وزير الخارجية للخطة بأنها مليئة بالفراغات، فيما قال يوسي ساريد زعيم المعارضة ان بوش سيضطر لالقاء خطاب آخر، فيما قال شلومو بن عامي وزير الخارجية السابق ان الرئيس الاميركي «لا يفهم جذر المشكلة». لكن النصر الابرز لشارون بحسب مصادر اسرائيلية لصحيفة «يديعوت احرونوت» هي ان رؤيته للعمل المرحلي طويل الامد هي التي سادت خطاب بوش حيث لم يطلب الاخير انسحابا فوريا من مناطق السلطة ولم يطلب العودة الى حدود 67 حتى ان مدة الثلاث سنوات لم يحدد موعد بدئها وربط هذا الموعد بسلسلة مطالب تعجيزية من الفلسطينيين في مقدمتها تغيير عرفات. وكان مسئول اميركي كشف امس ان ادارة بوش حازمة وجادة في مسألة تغيير عرفات وانها وجهت رسالة شديدة الوضوح للفلسطينيين بأنه يتعين عليهم في الانتخابات المقبلة تغيير رئيسهم واختيار «قيادة جديدة ومختلفة». ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسئول آخر قوله ان بوش اضاف لخطابه فقرة تغيير القيادة الفلسطينية بعد عمليتي القدس الاستشهاديتين. الصحيفة نفسها نقلت عن كولن باول وزير الخارجية الاميركي قوله «لقد حذرت ياسر عرفات قبل شهرين ونصف عندما اجتمعت معه في مقره برام الله بأنه اذا لم ينفذ تغييرا استراتيجيا في سياسته فسيتم تغييره .. لذا فان الخطاب (الاخير لبوش) يعبر عن خيبة أملنا من عرفات «زاعما وجود خيبة امل مماثلة من زعماء عرب وفلسطينيين». واستبعد باول ان يتوجه على وجه السرعة الى الشرق الاوسط كما رهن فكرة مؤتمر السلام الوزاري بالتطورات العسكرية على الارض في فلسطين، فيما قال مسئول اميركي ان باول ينتظر ردود الافعال العربية والدولية قبل ان يقرر خطوته التالية. وقالت صحيفة «يديعوت احرونوت» الاسرائيلية امس في هذا الاطار ان ردود الفعل العربية والفلسطينية توالت على البيت الابيض والخارجية الاميركية وحملت انتقادات لمطلب تغيير عرفات وبالتالي «باتت رؤية بوش غير مناسبة في نظر الدول العربية». من جهته اطلق عرفات عقب لقائه دومينيك دو فيلبان وزير الخارجية الفرنسي في مقره المحاصر برام الله تحديا مبطنا لبوش بقوله: «الانتخابات يجب ان تجرى لكن الفلسطينيين هم وحدهم المؤهلون لاختيار قادتهم». وتولى دو فيلبان تأكيد ما كان اعلنه صائب عريقات وزير الحكم المحلي الفلسطيني من ان الانتخابات الرئاسية والتشريعية ستجرى في يناير المقبل والانتخابات البلدية في مارس. وقال عرفات هذا الخطاب مهم مضيفا ان «الاشارة الى دولة فلسطينية امر مهم» وردا على سؤال بشأن هل يعتبر خطاب بوش موجه ضده، قال عرفات بالانجليزية وخلافا لكل التوقعات «بالتأكيد لا». وكان مسئولو السلطة الفلسطينية ركزوا في ردود افعالهم على مطالبة واشنطن بآلية تنفيذ لخطة بوش وارسال قوات دولية لاجبار اسرائيل على الانسحاب. وحده محمد دحلان مسئول الامن الوقائي السابق في قطاع غزة استهجن القبول بخطاب بوش الذي وصفه بالعدواني وتكريس الاحتلال بدل القضاء عليه. وكانت مصر والاردن رحبتا بخطة بوش وان اشار حسني مبارك الرئيس المصري الى انتظار توضيحات لبعض مضامينه لكنه اتفق مع بيان للحكومة الاردنية ان اي تغييرات فلسطينية يجب ان تنبع من الداخل. غير ان التحدي الابرز لفرص نجاح خطة بوش برز على الساحة الدولية حيث اجمع كل من كوفي عنان امين عام الامم المتحدة والرئاسة الاسبانية للاتحاد الاوروبي وبريطانيا والصين على معارضة مطلب تغيير عرفات واعتبار ذلك قضية فلسطينية، داخلية. وأعلن جاك سترو وزير خارجية بريطانيا ان بلاده تتعامل مع عرفات في حالة اعادة انتخابه مشيرا الى ان بريطانيا لات ختار قادة الدول الاخرى. واعتبر وزير الخارجية الفرنسي في رام الله انه يعود للفلسطينيين وحدهم اختيار قادتهم بحرية» فيما نقلت «يديعوت» عن دوفيلبان قوله لافراهام بورغ رئيس الكنيست ان خطة بوش تعرقل فرص انطلاق المفاوضات. واعتبرت آناليند وزيرة الخارجية السويدية مطلب بوش بتغيير عرفات «امرا ليس مقبولا لجهة القانون الدولي ولا حكيما من وجهة نظر سياسية». واعلن الفريدو مانتيكا مساعد وزير الدولة للشئون الخارجية خلال برنامج مع الاذاعة الايطالية العامة «راي » ان خطاب بوش يشكل مجازفة كبيرة لانه قد يعرض للخطر المجموعة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا والامم المتحدة والتي تعمل في سبيل ايجاد حل للازمة في الشرق الاوسط. واضاف ان «المشكلة هي ان بوش قال بطريقة واضحة ان على عرفات ان يغادر وهذا ما سيضع بوش في حالة صعبة مع عدد كبير من الحكومات الاوروبية التي لها رأي اخر نحن الايطاليين بالذات كررنا ان عرفات هو الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني وان الشعب الفلسطيني وحده يمكن ان يختار ممثله». اما روسيا فقد قالت ان خطاب بوش لا يتحدث تحديدا عن عرفات وان هذا الجانب ينبغي توضيحه. من جهته شدد خافيير سولانا الممثل الاعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي على التمسك بعقد مؤتمر دولي للسلام معتبرا انه «بات ضروريا اكثر من اي وقت مضى». وعلى خلفية الغطاء الاميركي المتجدد امعن جيش الارهابي شارون في عدوانه حيث اجتاح أمس مدينة الخليل لتصبح بذلك كافة مدن السلطة الفلسطينية، باستثناء اريحا تحت الاحتلال. واقتحم الجيش هذا مقر المقاطعة في الخليل التي تضم مكتب عرفات وقتل اربعة رجال امن من المدافعين عنه واصاب اربعة آخرين واسر نحو 150 شرطيا فيما اعدم مدنيا قرب نابلس بدم بارد وسط اعلان حركة الجهاد استشهاد احد مقاوميها في هجوم ضد الاحتلال في قطاع غزة. كما اصيبت طفلة في الثامنة من عمرها برصاص قوات الاحتلال قرب جنين.