أعلن جورج بوش الرئيس الأميركي الليلة الماضية رؤيته للحل في الشرق الأوسط والتي خرجت عمياء وغير متوازنة بل اسرائيلية تماماً عندما وضع شروطاً صارمة على الجانب الفلسطيني ، والعربي لتحقيق رؤيته بقيام دولة فلسطينية مؤقتة وابتزازهم للوصول لذلك بتغيير ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني المنتخب ديمقراطياً وانهاء مقاومة الاحتلال وتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل انهاء الاحتلال وقبل الوصول للسلام دون أن يضع على الجانب الاسرائيلي أية شروط لخطته التي وضع لها اطاراً زمنياً بثلاث سنوات، بل انه ذهب الى تبني الموقف الاسرائيلي بتغيير القيادة الفلسطينية ورفض الانسحاب الى حدود العام 1967 بل الى ما اسماه الحدود الامنة. في الوقت الذي كانت فيه حكومة الارهابي ارييل شارون تشن عدواناً واسعاً على قطاع غزة بدأ باغتيال 6 مقاومين بصواريخ طائرات الأباتشي الأميركية الصنع ومضت في مؤامرتها العدوانية الكبرى بحصار ثالث لمقر عرفات وفرضت حظر التجول على عموم رام الله. فقد اعتبر الرئيس الأميركي انه يجب تغيير الوضع في الشرق الاوسط «الذي لم يعد مقبولاً» بالنسبة الى الاسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء. وقال بوش في البيت الابيض «ان الامور يجب ان تتغير» لانها اصبحت «لا تطاق بالنسبة الى الاسرائيليين الذين يعيشون الارهاب والفلسطينيين الذين يعيشون الفقر والاحتلال». وفي ابتزاز شديد للشعب الفلسطيني قال بوش أمس ان الولايات المتحدة تؤيد قيام دولة فلسطينية مؤقتة ولكن بشرط ان تكون هناك اولا «قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة». وقال الرئيس الاميركي «السلام يتطلب قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة. حتى يمكن ان تولد دولة فلسطينية. انني ادعو الشعب الفلسطيني الى انتخاب زعماء جدد لا يشينهم الارهاب». وفي بيانه الذي طال انتظاره بشأن السياسة الاميركية في الشرق الاوسط حدد بوش رؤيته لدولة مستقلة باسم فلسطين تنشأ بعد نحو 18 شهرا. ولكنه وضع لذلك شروطا صارمة قائلا ان على الفلسطينيين ان يجدوا لانفسهم زعيما جديدا وان ينشئوا مؤسسات ديمقراطية ويقيموا ترتيبات امنية جديدة مع اسرائيل. وقال «حينما تكون هناك قيادات جديدة للشعب الفلسطيني ومؤسسات جديدة وترتيبات امنية جديدة مع جيرانه فان الولايات المتحدة ستؤيد قيام دولة فلسطينية». ولم يذكر بوش عرفات بالاسم قط. ولكن عندما سئل احد كبار مساعديه عما اذا كان ذلك يعني وجوب استبعاد الرئيس الفلسطيني قبل ان تبدي الولايات المتحدة الدعم للدولة الفلسطينية قال «لقد كنا واضحين باننا نعتقد ان هناك مشاكل كبيرة مع القيادة الفلسطينية». وقال بوش ان الحدود وبعض مظاهر السيادة ستكون مؤقتة لحين حسمها في اطار تسوية نهائية. ودعا اسرائيل الى الانسحاب الى مواقعها قبل 28 سبتمبر وهو ما يعني فعليا الانسحاب من 40 في المئة من الضفة الغربية. وقال معاونون انه اذا نفذت هذه الشروط فمن الممكن ان تقوم دولة فلسطينية في غضون 18 شهرا ثم تصير دولة دائمة في غضون نحو ثلاث سنوات في اطار تسوية نهائية في الشرق الاوسط. ودعا بوش اسرائيل الى وقف النشاط الاستيطاني في المناطق المحتلة والافراج عن الاموال الفلسطينية المجمدة دون ان يكون ذلك شرطاً. واضاف انه فور قيام مؤسسات فلسطينية جديدة وظهور قيادات جديدة فانه يتوقع من اسرائيل ان تستجيب من خلال العمل باتجاه اتفاق للوضع النهائي. وقال «حينما يبذل الجميع جهودا مكثفة يمكن الوصول الى هذا الاتفاق في غضون ثلاثة اعوام اعتبارا من الان. وسأسعى وبلدي للوصول الى هذه الغاية». واشار بوش الى ان على الاسرائيليين والفلسطينيين التعامل في نهاية المطاف مع القضايا الرئيسية اذا ارادوا سلاما حقيقيا وان يحلوا كل المشاكل وينهوا الصراع بينهم. وقال ان اي تسوية يجب ان تعتمد على قراري الامم المتحدة 242 و338 و«اننا يجب ان نحل القضايا المتعلقة بالقدس ومحنة ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين وسلام نهائي بين اسرائيل ولبنان وبين اسرائيل وسوريا تدعم السلام وتكافح الارهاب». وذكر مسئول اميركي كبير ان وزير الخارجية الاميركي كولن باول كان على اتصال بزعماء في المنطقة لكنه لن يتوجه الى هناك بصورة عاجلة وهو ما كانت تكهنت به تقارير عديدة. ولم يشر بوش الى احتمال عقد مؤتمر للسلام في الشرق الاوسط وهو المؤتمر الذي اعرب مسئولون اميركيون عن املهم في عقده هذا الصيف. وقال المسئول الاميركي ان تفجر الوضع حاليا يمنع محاولة ترتيب مؤتمر. ورغم صرامة شروط بوش الا ان عرفات والقيادة الفلسطينية رحبوا بالافكار التي جاءت بها خطة بوش واعتبراه «اسهاما جدياً لدفع عملية السلام». وفي بيان رسمي منه «عبر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية عن ترحيبهما بالأفكار التي عرضها الرئيس جورج بوش في خطابه». واضاف البيان ان الرئيس عرفات والقيادة «يريان في هذه الافكار اسهاماً جدياً لدفع عملية السلام». واعرب عرفات والقيادة عن املهما ان «يتم بحث التفاصيل الضرورية لنجاح الافكار خلال لقاءات ثنائية مع الادارة الاميركية وبالتشاور مع اللجنة الرباعية ومع الاشقاء العرب». واعتبر صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين مساء أمس في حديث لشبكة الـ «سي.ان.ان» ان دعوة بوش الى ظهور قيادة فلسطينية جديدة «أمر غير مقبول». وقبل اعلان بوش وفي انحناءة جديدة امام الضغوط متعددة الاتجاهات امر عرفات بفرض الاقامة الجبرية مجدداً على احمد ياسين الزعيم الروحي لحركة حماس وعبدالعزيز الرنتيسي المتحدث باسمها في غزة بعد حملة اعتقالات طالت نحو 15 من كوادرها وهو ما رفضه ياسين وهرع اتباعه لحراسة منزله واطلقوا النار على قوات الشرطة الفلسطينية، التي ردت بالمثل ما ادى لاصابة اثنين من حماس طبقاً لمسئول في الحركة رفض ذكر اسمه لوكالة فرانس برس والذي اعلن لاحقاً ان الازمة في طريقها الى الحل بعد ان نجحت لجنة وساطة من الفصائل الفلسطينية في تطويق التوتر. واكد مقربون من حماس ان «قيادة الحركة سارعت الى تطويق الازمة خشية تطور المواجهات خصوصاً وانها غير معنية في اي صدام مع السلطة الفلسطينية يمكن ان يهدد شعبيتها في الشارع الفلسطيني». لكن حكومة الارهابي ارييل شارون آثرت التمسك ببرنامجها التفجيري واستفزاز حماس ومنظمات المقاومة الاخرى حيث اقدمت مروحيات الاباتشي اميركية الصنع على اغتيال ستة فلسطينيين بصواريخها واصابة عشرة اخرين بينهم طفل وامرأة واربعة من كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري للحركة. كما اغتالت قوات الاحتلال مواطناً قرب نابلس وأوقفت سيارته وأطلقت عليه النار مما ادى الى استشهاده على الفور وابلغ شارون قادة حزبه الليكود «نحن نعد لعملية عسكرية واسعة ضد حماس في قطاع غزة ـ وشاهدتم اليوم نموذجاً لما سنقوم به» دون ان يذكر تفاصيل. وعلى الفور اصدرت الكتائب بياناً تعهدت فيه بالثأر عبر عمليات استشهادية قالت انه لا مبرر الآن لوقفها بعد الجريمة الصهيونية الجديدة. واتبع جيش الاحتلال سيطرته على مدن السلطة الفلسطينية الرئيسية في الضفة باعادة احتلال بلدتي طوباس وطمون واعتقال مسئول الاستخبارات الفلسطينية، في مدينة جنين. واقدم جيش الاحتلال على الدفع بنحو 50 دبابة لاعادة احتلال كامل مدينة رام الله واخضاعها لحظر التجول المشدد فيما تولت ست منها محاصرة مقر عرفات للمرة الثالثة. وعلى الفور اجرى عرفات اتصالات هاتفية مع عدد من قادة كل من مصر والاردن والسعودية اضافة الى كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة أطلعهم على التطورات واصدر بياناً قال فيه ان شارون سخر من اجراءات السلطة الامنية ضد حماس في قطاع غزة. واطلق الرئيس الفلسطيني في بيانه نداء لشعبه لرص الصفوف والوحدة والصمود في وجه العدوان مؤكداً ثقته بأن هذا الشعب لن ترهبه الدبابات ولن ينحني لبطشها ويتمسك بمطلب الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وكانت السلطة دعت العرب والمجتمع الدولي للتدخل العاجل لوقف «اخطر مؤامرة في التاريخ المعاصر عليها وعلى الشعب الفلسطيني». يحدث ذلك في وقت يتجه المجتمع الاسرائيلي برمته نحو جنون التطرف ما ينذر بانعدام فرص السلام مع الدولة العبرية. فقد اظهر استطلاع للرأي العام اجرته الاذاعة الاسرائيلية باللغة العبرية على مدار الاسبوع ان الاغلبية الساحقة من الاسرائيليين تعارض حتى اقامة دولة فلسطينية مؤقتة. واظهر الاستطلاع الذي اجراه معهد الاستطلاعات المشهور اسرائيلياً «بانوراما» ان اكثر من 80 بالمئة من المستطلعين اعربوا عن رفضهم المطلق لفكرة الدولة الفلسطينية المؤقتة وقال حوالي 50 بالمئة من مؤيدي رئيس الحكومة السابق ايهود باراك انهم يرفضون هذه الفكرة جملة وتفصيلاً. وكان السؤال الثاني الذي طرح على المستطلعين (500 اسرائيلي) هل تؤيد فكرة طرد الرئيس عرفات من رام الله فأجاب حوالي 90 بالمئة منهم بأنهم يؤيدون طرده. ووصلت نسبة اولئك الذين يؤيدون اعادة احتلال المناطق الفلسطينية الضفة الغربية وقطاع غزة حوالي 80 بالمئة واحتلال المناطق يعني البقاء فيها حسب الاستطلاع الى اجل غير محدود. والامر المثير للدهشة في هذا الاستطلاع انه على الرغم من الاجابات التي تتسم بلهجة الحرب من قبل المستطلعين فقد اجاب معظمهم حوالي 85 بالمئة انهم يجب البدء بمفاوضات سلمية مع السلطة الوطنية الفلسطينية لحل الصراع بين الطرفين الامر الذي يؤكد على حالة الهستيريا التي يعيشها الاسرائيليون نتيجة للعمليات الاستشهادية الاخيرة خصوصاً في القدس الغربية ولكن يجب التذكير انه فقط 20 بالمئة من مؤيدي شارون يرغبون في المفاوضات.

