اعاد مخيم جنين ومناطق فلسطينية اخرى الصراع الى وجهته الحقيقية بعد انحرافها الى معركة الاصلاحات الداخلية حيث العدوان الاسرائيلي المتصاعد والمتجدد في المخيم ونابلس وطولكرم وقطاع غزة، مما اسفر عن خمسة شهداء بينهم طفلان وامرأة دفع الرئيس ياسر عرفات لربط الانتخابات الفلسطينية بانسحاب الاحتلال من مناطق السلطة طبقاً لاتفاق اوسلو فيما تتجه مفاوضات اميركية فلسطينية سرية لحل فصائل المقاومة تمهيداً لوقف تام للانتفاضة حال بدء المؤتمر الدولي للسلام المرجح في يونيو المقبل. فبعد انشغال فلسطيني غريب بمعركة الاصلاحات الداخلية الثانوية عادت دبابات الارهابي ارييل شارون لتذكرهم بأن جوهر الصراع هو مع الاحتلال الصهيوني. فقد اقدمت نحو 20 دبابة ووحدات من القوات الاسرائيلية الخاصة مدعومة بالمروحيات والقصف المدفعي على اعادة احتلال مدينة جنين ومخيمها الاسطورة لأكثر من ثماني ساعات منذ منتصف الليلة قبل الماضية حيث اختطفت 40 من سكان المخيم بينهم القائد المحلي لكتائب شهداء الاقصى التابعة لحركة فتح قبل اعدامه بدم بارد، فيما فشلت في اعتقال المسئول المحلي لحركة حماس. ودمرت القوات الغازية عدداً من مباني مدينة جنين والمخيم المنكوب حيث قتلت قذيفة صهيونية غير منفجرة قرب احد هذه المباني في مخيم جنين الطفل مراد عبدالحكيم الغول واصابت ثلاثة اخرين. بالتزامن مع ذلك قصفت الدبابات منطقة المساكن الشعبية في مدينة نابلس وقتلت الطفل عميد ابو سير بالرصاص حين كان داخل بقالة والده الذي اصيب ايضاً في مخيم عسكر القريب من المدينة فيما اصيب ثمانية اخرون. كما اصاب رصاص الجنود طفلاً صغيراً من طائفة اليهود السامرية الفلسطينية رغم كونه اخرس واطرش. كذلك فتحت دبابات الاحتلال نيرانها على سيارة سيدة فلسطينية من المناطق المحتلة عام 48 بعد عودتها من مناطق السلطة الفلسطينية، ما ادى لاستشهادها في الحال. وفي قطاع غزة سقط احد مقاومي كتائب الاقصى شهيداً خلال معركة مع جنود الاحتلال لدى محاولته اقتحام مستوطنة. ويبدو ان هذه التطورات دفعت ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني لربط اجراء الانتخابات التشريعية التي كان اعلنها بانسحاب جيش الاحتلال. وقال عرفات للصحافيين عقب اداء صلاة الجمعة في رام الله امس ان «الانتخابات ستكون بعد انتهاء الاحتلال لأرضنا حسب الاتفاقيات والتي كان من المفترض أن تكون مع بداية عام 1999». وردا على سؤال للصحافيين عما إذا كان سيوافق على إجراء انتخابات في ظل الاحتلال، أجاب عرفات وبشكل قاطع «لا». وحول ما يجري في جنين وغيرها من الاراضي الفلسطينية من عمليات اجتياح تساءل عرفات «هل سيقف العالم مكتوف الأيدي أمام هذه الاعتداءات الاسرائيلية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني وضد الأراضي الفلسطينية وضد المقدسات الإسلامية والمسيحية؟». وطالب بتدخل مجموعة الاربعة (اميركا وروسيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة) بشكل عاجل. وتابع يقول إنهم (الاسرائيليين) يواصلون تصعيدهم العسكري ويحاولون إعادة الاحتلال والسيطرة الكاملة على مناطق «أ» و «ب»، مذكرا ان «هناك قراراً من الكنيست الاسرائيلي (البرلمان) تم اتخاذه والموافقة عليه هو أن أبو ديس والعيزرية والسواحرة يجب أن تكون مناطق «أ» ولكنهم يقومون ببناء سور برلين بين هذه البلدات والقدس الشريف». ومقابل ذلك يبدو ان الرئيس الفلسطيني يستعد لتقديم تنازلات اصلاحية أخرى حيث كشف مسئول في سلطته انه كلف مستشاره الاقتصادي محمد رشيد ببدء مفاوضات مع الاميركيين في واشنطن حول التغييرات المزمعة في مجالي الامن والسياسة قبل انعقاد المؤتمر الدولي للسلام المقترح في يونيو المقبل. وقال ان عرفات يستعد لاجراء تعديلات طارئة وقريبة عبر تخفيض عدد الحقائب الوزارية الى نحو 17 حقيبة. وهو ما اكده رشيد نفسه لرويترز مشيراً الى ان وليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الاميركي ومسئولين آخرين في واشنطن «يساعدون بقوة» في بلورة التغييرات. واشار الى ان الانتخابات البلدية مقررة في الخريف المقبل فيما الانتخابات الرئاسية والتشريعية قبل نهاية العام الحالي وهو ما يتناقض مع تصريح الرئيس عرفات امس. لكن رشيد حرص على الاشارة الى ان ادارة جورج بوش اوضحت لنا اننا «يقيم بحاجة الى نظام يمكن ان يقيمه دولة لا مجرد سلطة». وقال «نعلم ان الولايات المتحدة لن تقبل مسألة الاسلحة وان يكون للمنظمات السياسية ميليشيات خاصة بها. ونحن ملتزمون بأن يكون جهاز الامن الفلسطيني الجهاز المسلح الوحيد. «لكن يجب ان يفهم في النهاية ان عرفات زعيم لا مجرد حارس.. ستكون هناك اعمال عنف دوما». واعرب رشيد عن امله في ان يرشد جورج تينيت مدير المخابرات الاميركية الجانب الفلسطيني الى كيفية اعادة تأهيل وتدريب قوة امن جديدة. واضاف «نأمل ان يساعدنا في بناء نظام قادر على ان يحمي التزاماتنا امام الاطراف الاخرى بما في ذلك اسرائيل الى جانب السيطرة على الموقف الامني في الاراضي». وفي هذه الاثناء نقلت وكالة «فرانس برس» عن مسئولين عرب تأكيدهم ان المؤتمر الدولي المقترح سيعقد في يونيو المقبل «ولن يقتصر على اجتماع واحد فقط بل سلسلة اجتماعات تبدأ من المستوى الوزاري ومن ثم الى مستوى ارفع». واضافوا ان الهدف العربي هو استناد المؤتمر الى قرارات الامم المتحدة 242 و 338 و 1397 ومؤتمر مدريد والمبادرة السعودية وجدول زمني محدد للحل النهائي لا يزيد على ثلاثة اعوام والمتمثل في اقامة دولة فلسطينية وحل قضايا الحدود واللاجئين والقدس. مشيرين الى الرفض المطلق لأية حلول مرحلية. واوضحوا ان الولايات المتحدة ستقيم «محطات تقييم» فاصلة بين فعاليات المؤتمر. لكن الاخطر ما كشفه احد هؤلاء المسئولين العرب للوكالة نفسها بقوله «ان العرب يدركون ان الانتفاضة وسيلة وليست غاية في حد ذاتها ولن يكون هناك داع لاستمرارها بعد بدء مرحلة المفاوضات».
