لم يعد محور أزمة السلام قاصراً على توغل شارون في العدوان والتصلب مع كل يوم جديد، وانما كذلك في تمادي العرب، في تقديم التنازلات دون مقابل. كل المؤشرات تدل على ان الجزار الاسرائيلي يقترب من فرض إملاءاته على الجميع، فلا عودة الى طاولة المفاوضات قبل وقف العنف واصلاح السلطة الفلسطينية. هذان الشرطان يعنيان بوضوح وضع نهاية للمقاومة بضرب كل مفاصل النهوض الفلسطيني الوطني، ومن ثم اختيار العناصر التي يمكن الرهان على قبولها الإملاءات الاسرائيلية الأكثر خطورة على طاولة المفاوضات. ليس ثمة مبرر للقلق إزاء قدرة الشعب الفلسطيني على رفض شروط شارون، فالشعب الذي رفض المساومة وهو في حالة الحرب لن يقبلها بعد رفع الحصار. غير ان مصدر القلق يتمثل في تهاوي النظام العربي لجهة الانهيار، ومن ثم يصبح عبئاً متراكماً على الشعب الفلسطيني وسلطته بعدما فقد هذا النظام الحد الأدنى من مهمة أن يكون جداراً يسند الفلسطينيون ظهورهم اليه في وجه شارون وآلياته العسكرية. عقب تحقيق أهدافه العسكرية على الصعيد الفلسطيني يتجه شارون لتحقيق مكاسب سياسية على صعيد المنطقة بأسرها، فبدلاً عن التركيز في هذه المرحلة على التدمير الذي أحدثه في البنى التحتية للشعب الفلسطيني وممتلكاته العامة والخاصة، وعوضاً عن البحث في المجازر التي ارتكبها تحول الاهتمام الى السلطة الفلسطينية باعتبارها نظاماً ارهابياً وفاسداً! وتجاوز النظام العربي مرحلة الصمت التي عاشها إبان حرب شارون وانتقل الى الحفر في الجانب السلبي ليزيد المأزق الفلسطيني عمقاً، فإدانة «كافة أشكال العنف» والمطالبة ب«وقف العمليات الاستشهادية في جميع المناطق» والمناداة بـ «إجراء تعديلات في السلطة» كلها تصب في توجه شارون وكلها تتم دون مقابل من أي جهة. لعبة الانتخابات الاسرائيلية قد تربك المسرح قليلاً غير انها لن تحدث تغييراً في تصلب شارون، ونتانياهو ليس بأفضل من أخيه، والرهان على أي من الأجنحة أو الأحزاب الاسرائيلية هو رهان خاسر ما لم يستجمع النظام العربي قواه من أجل مواجهة التصلب بتصلب أشد والعنف بقوة أكثر. شارون يستثمر الخلل في النظام العربي على النحو الذي يستغل الأزمة الفعلية التي تخنق المجتمع الاسرائيلي المأزوم بالمراوغة، فهو يدرك ان أمامه هامشاً داخلياً مريحاً إلى حين الانتخابات الاسرائيلية السنة المقبلة، وهامشاً اقليمياً أكثر رحابة إذ لا يبدو في الأفق معلم يمكن للنظام العربي أن يفيق عنده من هذا التفتت. كتب عمر العمر: