استنفرت اجهزة السلطة الفلسطينية لمواجهة الرد الاسرائيلي المتوقع على عملية تل أبيب الفدائية والذي يتراوح بين إبعاد الرئيس ياسر عرفات وعدوان اشد وحشية على قطاع غزة، وكافة المناطق الفلسطينية باسم «السور الواقي2» انقسمت حوله حكومة الارهابي ارييل شارون الذي عاد من واشنطن بخلافات واسعة مع الادارة الامريكية، في وقت سعى عرفات لتفادي الضغوط الدولية باعلان حظر «العمليات الانتحارية»، مقرنا هذا الاعلان بالدعوة لنشر قوات دولية بالتزامن مع تسريب وجود تفاهم امريكي اسرائيلي يتضمن تحويل عرفات الى زعيم صوري رمزي ونقل السلطة الى شخص واحد او عدة اشخاص. في حين لم يحالف الحظ استشهاديا حاول تنفيذ عملية فدائية قرب حيفا جراء خلل في المتفجرات شاءت العناية الالهية ان ينجو وسط اصرار واضح على مواصلة المقاومة عبر محاولات اختطاف جنود واحتجاز رهائن في مستوطنات طبقا لتحذيرات اسرائيلية. وسبقت خلافات حادة في اوساط حكومة شارون الاجتماع الطاريء لمجلسه المصغر في قاعدة جوية قرب مطار بن جوريون للرد على عملية «ريشون ليتسيون» الفدائية قرب تل أبيب الليلة قبل الماضية. ففيما يضغط وزراء اليمين المتطرف لاقرار مطلبهم بابعاد عرفات وتنفيذ عدوان واسع باسم «السور الواقي 2» يتضمن احتلال كامل المناطق الفلسطينية بما فيها قطاع غزة نقلت صحيفة «يديعوت احرونوت» عن وزراء في حزب العمل ورؤساء الاجهزة الأمنية معارضتهم لابعاد عرفات على اساس ان «خطره في الخارج سيكون أشد». كما نقلت الصحيفة نفسها عن قادة عسكريين معارضتهم لاجتياح قطاع غزة نظرا لكثافته السكانية العالية وحجم الخسائر الاسرائيلية الباهظة المتوقعة. وعلى الفور اخلت اجهزة السلطة المختلفة مقراتها في رام الله تحسبا لغارات صهيونية انتقامية فيما شنت المروحيات الاسرائيلية غارات على مخيم طولكرم الذي كانت القوات الغازية احتلته ومدينة طولكرم. وقامت قوات الاحتلال باعتقال عدد كبير من المواطنين الفلسطينيين في طولكرم من بينهم المهندس عباس السيد مسئول حركة حماس فى محافظة طولكرم واقتادتهم الى جهة مجهولة. كما قامت قوات الاحتلال بمداهمة عدة منازل فى الحى الشمالى من محيط جامعة القدس المفتوحة فى مدينة طولكرم واعتقلت عددا من الشبان بعد ان قامت بتدمير مخزن مجاور للجامعة من الجهة الشمالية. ودخل 17 من دعاة السلام بينهم خمسة اسرائيليين مساء امس الى مقر عرفات في رام الله لحمايته من اي عملية اسرائيلية محتملة. وقال يوري افنيري الناطق باسم حركة كتلة السلام (غوش شالوم) الاسرائيلية في داخل المقر «نخشى ان تتخذ الحكومة الاسرائيلية قرارات تحمل كوارث للاجيال المقبلة». واضاف «نخشى ان يتخذوا قرارا بقتل ياسر عرفات وعلينا ان نكون هنا لبذل كل ما في وسعنا من اجل منع حصول ذلك». وتوغلت وحدة اسرائيلية مئات الامتار مساء امس في الخليل ودمرت مخازن خالية تستخدم موقعا للقوة 17، قبل ان تنسحب، وفق ما افاد شهود. وفجر العسكريون اربعة مخازن خالية داخل مبنى تستخدم موقعا للقوة 17، الحرس الشخصي للرئيس عرفات. كما احتل الجيش الاسرائيلي قرية قرب اريحا واحتجز نحو 300 من سكانها في مدرسة . وحذرت مصادر الجيش من خطط اعدتها المقاومة لاختطاف جنود اسرايليين او اقتحام مستوطنات واحتجاز سكانها كرهائن لمبادلتهم بأسرى في سجون الاحتلال. وكان شاب فلسطيني حاول تنفيذ عملية فدائية في محطة حافلات قرب مفترق مجدو القريب من حيفا حيث كان يقف الى جوار جندي اسرائيلي في إنتظار قدوم حافلة مليئة بالركاب حين اتى جندي آخر وشك به فاسرع الى تفجير حزام ناسف لف به جسده لكنه لم ينفجر سوى جزئيا ما تسبب باصابته بجروح خطرة نجا منها بعد ان كان الاسرائيليون اعلنوا استشهاده. وفي مواجهة توالي ادانات الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي لعملية تل أبيب. اعلن عرفات امس حظر العمليات الاستشهادية. «قال البيت الابيض امس الاربعاء ان الرئيس الامريكي جورج بوش ينتظر ليرى ما اذا كان الفلسطينيون سيوفون بوعدهم بمكافحة «الارهاب» بعد العملية. واضاف اري فلايشر المتحدث باسم البيت الابيض اثناء وجوده بطائرة الرئاسة بينما كان بوش يطير الى ويسكونسن «الوقت حان لان تؤدي السلطة الفلسطينية دورها. هذا ما يترقبه الرئيس». وتابع ان «الرئيس سينتظر ليرى الاجراءات التي سيتخذها الفلسطينيون». ولدى سؤاله عما اذا كان بوش حث شارون على ممارسة ضبط النفس حين علما بالانفجار بعد اجتماعهما في البيت الابيض رد المتحدث الامريكي قائلا «اعربت تصريحات الرئيس عن تعازيه». ووصف رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الهجوم بأنه «اعتداء مروع» وقال ان الادانة من السلطة الفلسطينية لا تكفي. وتابع «إننا مستعدون للعمل مع السلطة الفلسطينية بأي صورة ممكنة للتأكد من أن لديهم جهاز الامن الصحيح الذي يحتاجونه وأن ذلك مطبق بصورة جيدة في جميع أنحاء أراضي السلطة الفلسطينية». وقال عرفات في بيان «إنني بصفتي رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية اكرر التزامي ومشاركتي الولايات المتحدة الامريكية والمجتمع الدولي بحربهما ضد الارهاب». واضاف عرفات في بيانه «لقد اعطيت اوامري لقوات الامن الفلسطينية لمواجهة ولمنع اي عمليات ارهابية للتعدي على المدنيين الاسرائيليين من اي جهة فلسطينية كانت». كما دعا البيان بالتوازي الى مواجهة اي اعتداء على المدنيين الفلسطينيين من قبل الجيش الاسرائيلي والمستوطنين والتي ندينها جميعا ادانة كاملة. من جهة ثانية قال عرفات في بيانه «انني اتوجه الى الولايات المتحدة والى الرئيس جورج بوش والمجتمع الدولي لتأمين الحصانة والدعم اللازم لقوات الامن الفلسطينية والتى دمر الاحتلال الاسرائيلي بنيتها التحتية لكي تقوم بمهامها ولتنفيذ الاوامر الصادرة اليها للقضاء النهائي على اي محاولة ارهابية للاعتداء على المدنيين الاسرائيليين والفلسطينيين كوسيلة سياسية لتحقيق الاهداف المرسومة لها». واوضح عرفات نحن بالتزامنا بالحرب ضد الارهاب ادعو واطالب بأهمية حضور القوة الدولية لمساعدتنا لوقف العدوان والمساعدة ولفرض السلام. وكان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اجرى اتصالين مع نظيره المصري حسني مبارك وامير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لبحث المستجدات. وقال مبارك في تصريح صحافي خلال زيارة لمدينة الشيخ زايد غرب القاهرة الكبرى الجنوبية شارون حر في الذي يقوله لكن انا اقول له اذا كنتم جادين فى السلام فلا بد ان تتعاملوا مع السلطة المنتخبة. وشدد الرئيس المصري على ان تقرير مصير القادة الفلسطينيين امر متروك لارادة الشعب الفلسطيني. ورغم اعراب الرئيس الامريكي جورج بوش عن «اشمئزازه» من عملية تل ابيب بحسب مستشارته كوندوليزا رايس الا ان مسئولا امريكيا حرص على التوضيح امس ان العملية لن تقوض جهود بوش للسلام في الشرق الاوسط قائلاً «الرئيس ملتزم بالسلام ولديه شعور قوي جدا بأنه يتعين محاربة الارهاب». وبدا واضحا ان شارون لم يخرج من لقائه الليلة قبل الماضية مع بوش سوى باتفاق على ضرورة اجراء اصلاحات في هيكلية السلطة الفلسطينية. واكدت مصادر اسرائيلية ان حجم الخلافات كان واسعا بينهما حول زعامة ياسر عرفات اضافة الى ان بوش اصر على ان مؤتمر السلام المقترح يجب ان ينتهي بدولة فلسطينية وبدء المفاوضات النهائية بأقصى سرعة ممكنة وهو مايرفضه شارون الذي يصر على ان الدولة الفلسطينية «امر سابق لاوانه». كما اكد مسئول امريكي ان بوش طالب شارون بوقف التوسع الاستيطاني حيث لم يصدر عن الاخير اي رد. وزعم مسئول اسرائيلي طلب عدم الكشف عن هويته ان «الموقف الامريكي واضح: فالبنى الحالية للقيادة الفلسطينية لاتسمح ببدء مفاوضات سياسية». وتابع «طالما لم تنجز عملية اعادة التشكيل التي تسمح ببروز قيادة فلسطينية جديدة ديمقراطية وشفافة، فلا جدوى من بدء مفاوضات سياسية». واشار الى ان الولايات المتحدة مقتنعة بأن عملية اعادة التشكيل هذه ينبغي ان تجري في اسرع وقت ممكن، مؤكدا ان اسرائيل لن تشارك فيها اطلاقا. وقال ان اي تدخل لاسرائيل في هذه العملية سيعرضها للخطر. ولكن وزير الخارجية الامريكي كولن باول المح الى ان اصلاح السلطة الفلسطينية اساسي، لكنه ليس شرطا مطلقا في نظر واشنطن لاستئناف المفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين. وسئل باول عن التصريحات التي ادلى بها شارون واكد فيها ان هذا الاصلاح يمثل «شرطا مسبقا لبدء مفاوضات سياسية»، فقال ان «اصلاح (السلطة الفلسطينية) اساسي». وتابع باول «نعرف رأي (شارون) وسنأخذه بالتأكيد بعين الاعتبار، وكذلك اراء غيره». لكن وخلافا للتصريحات الامريكية العلنية حول عدم الموافقة على الطلب الاسرائيلي بشأن استبدال عرفات قال مسئول اسرائيلي كبير امس ان اسرائيل والولايات المتحدة تريدان ان يصبح ياسر عرفات رئيسا صوريا للسلطة الفلسطينية بعد اعادة هيكلتها. وعلى نقيض الرأي الذي عبر عنه الزعماء الامريكيون علنا قال المسئول بينما كان على طائرة رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون لدى عودته لبلده من الولايات المتحدة يفهم الامريكيون انه لا جدوى من الدخول في عملية سلام الى ان يرحل ذلك الرجل. وقال المسئول ان واشنطن وافقت على فكرة اجراء اصلاحات كبيرة في ادارة عرفات بما في ذلك اقامة «نظام لتنفيذ القانون قابل للاستمرار». واضاف ان بوش وشارون متفقان بشأن دور عرفات المستقبلي. وتابع من الواضح ان الرئيس سيتحول الى منصب رمزي وان الادارة الفعلية للحكومة ستنقل الى شخص واحد او عدة اشخاص. وقد يكون لتصريحات المسئول صداها في البيت الابيض حيث اوضح بوش ومساعدوه في تصريحات علنية امس ان الامر يرجع للشعب الفلسطيني بشأن قيادته. وقال المسئول الاسرائيلي ان الولايات المتحدة تتفق مع اسرائيل على ان الاصلاحات في السلطة الفلسطينية يجب ان تجري بأسرع ما يمكن. وتوقع ان تبدأ عملية الاصلاح في نهاية الامر من خلال ضغط على عرفات من الولايات المتحدة والدول الاوروبية المانحة والدول العربية المعتدلة. وذكر المسئول ان مفاوضات السلام المستقبلية ستجري مع «سلطة فلسطينية مختلفة كثيرا عن السلطة الحالية». وتحدث شارون لصحيفة «نيويورك تايمز» عن قوة امنية داخلية فلسطينية موحدة بإمرة شخص مناسب ورئيس وزراء يتلقى اوامره في الظاهر من عرفات وانما يتمتع بنفوذ واسع. ورفض كبار المسئولين الفلسطينيين دعوات شارون لتهميش عرفات وقالوا انه زعيمهم المنتخب ديمقراطيا. وقال محمد دحلان قائد الامن الوقائي في قطاع غزة ان هذه الدعوات ليست مقبولة. واضاف ان اي تحرك فلسطيني بدون عرفات ليس مقنعا. وقال ان الشارع الفلسطيني يسمع ويحترم آراء عرفات وليس دعوات المسئولين الاسرائيليين. واعتبر دحلان ان شارون يريد «قيادة تكون بعيدة عن طموحات الشعب الفلسطيني». وحث دحلان كبار المسئولين الاسرائيليين على الاطاحة برئيس الوزراء شارون بدلا من محاولة الاطاحة بعرفات.