مرة أخرى تؤكد أمريكا انها طرف أصيل ومباشر في الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي الدامي. منذ حرّك شارون آلياته وتوغل داخل سلطة الحكم الذاتي تبادر إدارة بوش لإعلان تمترسها الى جانب قوات الاحتلال، . مما يثير الحنق العربي ان إدارة بوش تفعل ذلك غير عابئة بالعالم العربي ودون أن يكون هناك مبرر لتأكيد هذا التخندق مع العدوان الاسرائيلي، صحيح انه لا يوجد جنود أمريكيون يقاتلون في صفوف قوات الاحتلال ولكن توجد مقاتلات وآليات ومعدات تكنولوجية أمريكية تستخدمها اسرائيل. على اننا لا نعني هنا شيئاً من هذا القبيل، فشارون لا ينقصه الجنود ولا العتاد، ما تحتاج إليه اسرائيل في عدوانها المتوحش والبربري هو الغطاء السياسي الذي يؤمن للسفاح الخوض في جرائمه ضد الشعب الفلسطيني وهذا ما توفره ادارة بوش في سفور أمام عيون العالم قاطبة. لم يكتف بوش وأركان ادارته في شل الارادة الدولية لينجز شارون مهمته في تدمير بنى سلطة الشعب الفلسطيني وتكسير عظام مقاومته بل تحملوا اهانته العلانية عندما تجاهل عمداً مطالب الرئيس الأمريكي الخجولة بالانسحاب. الإدارة الأمريكية توغلت بدورها في غيها وواصلت حربها على الشعب الفلسطيني وتجاهلها للعالم العربي كما واصلت جهودها لتعطيل الارادة الدولية، فها هو الجنرال كولن باول يبادر دون أن يطلب منه طرف ما بما في ذلك اسرائيل لاجهاض مهمة لجنة تقصي الحقائق الدولية في مجزرة جنين قبل أن تحزم اللجنة حقائب السفر. فوزير الخارجية يحث شارون على استقبال الفريق الدولي ليس لحسم الجدل المثير حول الجرائم التي اقترفها شارون في المخيم وانما لتبديد «الاشاعات حول المجازر في المخيم». هكذا يطلق الجنرال باول رصاصة الرحمة على اللجنة الدولية ويصفع في الوقت نفسه كل الشهود الأوروبيين الذين زاروا جنين وشاهدوا شواهد المجزرة بأم أعينهم مع انه كان يمكن أن يكون باول شاهد الاثبات الأول وشاهد العيان الأول فيما لو استجاب لنداء السلطة وزار مسرح المجزرة وهي طازجة إبان جولته المتباطئة عمداً في المنطقة. غير ان وزير الخارجية الأمريكي كان أصلاً في مهمة شاهد ملك لصالح شارون وموفداً اسرائيلياً عندما التقى عرفات في أنقاض مقر رئاسته ليبلغه الاملاءات الاسرائيلية ـ الأمريكية المشتركة. شارون يرفض لجنة تحقيق دولية في مجزرة جنين التي لا تحتاج الى تحقيق ويمارس ضغوطاً تحت الطاولة بغية تطعيم الفريق بلاعبين لصالحه. لكن باول لا يحتاج الى لعب تحت الطاولة فالدولة الأعظم في عصر القطب الواحد تجاهر بما تريد، لذلك نفى كل الأدلة بما في ذلك الشهداء الذين لم يحص لهم عداً بعد والجثث المنتشلة وتلك التي لاتزال مطمورة تحت الأنقاض، وأعلن في وقاحة لا تحترم الحياة والموت ان كل ذلك مجرد «اشاعات». الرسالة الأمريكية ليست موجهة الى العالم العربي، فهذا كم مهمل ولكن وجهتها العواصم الأوروبية التي بدأت تتحدث لغة واضحة تؤكد ان مجزرة ارتكبت في جنين وان المخيم يجسد كل ما يمكن تصنيفه جرائم حرب. ربما لأمريكا الحق في اعتبار العالم العربي كماً مهملاً. فرغم المبادرة الغربية لإدانة شارون لم تتحرك جهة عربية لزيارة جنين بما في ذلك القناصل الأماجد لدى الكيان الاسرائيلي العدواني. مما لا شك فيه ان شارون ارتكب مجزرة بشعة غير ان ما ترتكبه إدارة بوش يشكل مجزرة أكثر إيلاماً وأفدح خسارة، ذلك ان تعطيل العدالة الدولية يمثل الاجهاز على الأمل الوحيد المتبقي لكبح الجزار الاسرائيلي وأمثاله. كتب عمر العمر: