رغم ان أياً من الادارات الأمريكية السابقة لم تقنع العرب بأنها راعية جادة لبلوغ سلام عادل في المنطقة أو انها ـ على الأقل ـ وسيط نزيه في الصراع، إذ ظلت دوماً حليفاً لاسرائيل، إلا ان الادارة الحالية ذهبت أبعد من كل سابقاتها في الاتجاه المضاد للعرب. فأمريكا لم تعد ـ كما يتوهم بعض العرب ـ مجرد حليف داعم لاسرائيل، إذ أضحت ـ في عهد بوش الابن ـ طرفاً مباشراً في الصراع لا تكتفي بالوقوف خلف اسرائيل علناً أو خفية، وإنما هي تصطف معها في الجبهة الأمامية في وجه العرب. التجاهل المتعمد والمعلن لملف الشرق الأوسط الذي تبنته ادارة بوش منذ دخوله البيت الأبيض لم يكن أكثر من اطلاق يد شارون ونهجه المدمر في المنطقة، اللقاءات المتعددة بين بوش وشارون ليست سوى تنسيق لتنفيذ ما يجري حالياً، مقابل هذه اللقاءات هناك رفض صارم لأي لقاء مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. القاموس السياسي الذي تخاطب به واشنطن وتل أبيب الصراع العربي الاسرائيلي يفضح رؤية موحدة من التفكير إلى اللغة، إذ يدمغ الطرفان كل ما هو عربي بالارهاب، الوقاحة بلغت بالرئيس الأمريكي حد تحريض القادة العرب على استخدام المفردات الاسرائيلية نفسها. على مدى التحالف الامريكي الاسرائيلي تجاهل بعض من قادة الكيان الصهيوني عدداً من رؤساء الولايات المتحدة حين طرحت اداراتهم خططاً لخفض حدة الصراع الشرق أوسطي. ألفنا ذلك منذ بروز ما يسمى بالمبادرات الأمريكية بدءًا من روجرز في العام 1969 مروراً بكارتر في 1977 وإلى بوش الأب في 1990. غير ان هذا التباين المعلن بين واشنطن وتل أبيب لم يبلغ حد التمرد الذي نهجه شارون مع بوش، إذ رفض الاستجابة لنداء الرئيس الأمريكي المعلن بوقف النار والانسحاب. تجاوز هذا الموقف الاسرائيلي من قبل الادارة الأمريكية لم يعد يثير قلق أحد في اطار فهمنا للتحالف الاستراتيجي، لكن المثير ألا يجرؤ أي أمريكي على التعليق على هذا التصرف الاسرائيلي الذي يتخذ طابع الاهانة لرئيس الدولة الأعظم، والتي تقود حملة لفرض هيبتها على العالم قاطبة. إبانة انتقال أمريكا من دور المساند إلى موقع الطرف المباشر في الصراع يكتسب أهمية في مرحلة ما بعد مجزرة جنين ليس فقط من أجل اسقاط الرهان على دور أمريكي بصفة نهائية وإنما الأهم من ذلك ضرورة الاعتماد على الذات في المواجهة المزمنة. فإذا بتنا قانعين بأن أمريكا لن تكون وسيطاً نزيهاً وان اسرائيل لن تنسحب طوعاً من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها مجدداً فينبغي علينا ادراك ان المقاومة وحدها التي تملك اجبار الاحتلال على الانسحاب، ومن ثم فإن الارادة العربية وحدها التي تستطيع فرض شروطها في المنطقة دون التعويل على قوة أخرى أو رهان على وسيط محتمل. ربما نتفق على ان شارون دمر أجهزة سلطة الحكم الذاتي، وضرب أركان المقاومة الفلسطينية لكنه لم ينجح في النيل من صمود الفلسطينيين المتراكم عبر نصف قرن ويزيد. ومن جذوة المقاومة الفلسطينية واللبنانية يجب على العرب ان يستمدوا قبس المجابهة والمصادمة لبلوغ الأهداف الوطنية والقومية. ما لم نفعل ذلك فإن التحالف الأمريكي الاسرائيلي سيبتلعنا الواحد بعد الآخر.