بعد كل الذي جرى في فلسطين من مذابح وتدمير لاتزال الولايات المتحدة الامريكية متمسكة بالمضي في سياسة العداء للعرب. وترفض الاقرار بفظاعة ما جرى ويجري كل يوم من ممارسات دموية على يد الجيش الاسرائيلي. وفي الوقت الذي وصف تيري لارسن مبعوث الامين العام للامم المتحدة ما جرى في جنين بأنه «فظاعة تفوق التصور»، وبينما طالب مسئولون دوليون باحالة مرتكبي هذه المجزرة الى المحاكمة الدولية، فإن الرئيس دبليو بوش يصف شارون بأنه «رجل سلام يريد ان تعيش اسرائيل بسلام مع جيرانها». اذا كان شارون رجل سلام فمن يكون الارهابي؟ ومن يكون السفاح اذن؟ لقد تجاوز الرئيس دبليو بوش بهذا التصريح كل حدود الافك والافتراء، فالاسرائيليون انفسهم لم يصفوا شارون ابداً في يوم من الايام بهذا الوصف، لأنهم يعرفون ان رئيس وزرائهم سفاح من الطراز الاول، ولهذا السبب اختاروه لهذه المرحلة. وكان واجباً على الرئيس دبليو بوش ان يقرأ تاريخ هذا السفاح ليعرف ان انجازاته تنحصر في سفك دماء الابرياء والمدنيين، بل ان اسرائيل نفسها ادانته في مذابح صبرا وشاتيلا، وكان على الرئيس الامريكي ان يقرأ تقرير لجنة كاهانا الاسرائيلية التي تشكلت في اعقاب المذبحة، فالتقرير حافل بالادانات لهذا السفاح. ومن الواضح ان السيد الامريكي لا يريد ان يرهق عقله بهذه الحقائق الموثقة لانه يؤمن فقط بالعداء للعرب في مقابل الانحياز المطلق لاسرائيل. وهذا هو جوهر السياسة الامريكية هذه الايام، فمنذ الاجتياح الاسرائيلي للمدن الفلسطينية والعداء الامريكي يتصاعد يوماً بعد يوم ضد العرب مع توفير كافة سبل الحماية والتغطية لاسرائيل كي تستمر في جرائمها. وتؤكد ذلك كافة التصريحات الامريكية التي قيلت على مختلف المستويات كما تؤكده التصرفات والافعال التي صاحبت جولة باول ومشاركة مسئولين امريكيين في التظاهرات المؤيدة لاسرائيل. ان افتراءات الرئيس الامريكي لن تكون آخر الصفعات القادمة من واشنطن ضد العرب، وهي ايضاً ليست اولها، فقد قيلت مراراً لكنها لم تصل الى هذا الحد من الكذب المعلن امام العدسات وأجهزة التلفزة، تلك العدسات التي صورت واذاعت مشاهد الدمار والخراب والجثث الممزقة والاشلاء التي تحللت بفعل آلة الدمار الاسرائيلية في عدوانها ضد الشعب الفلسطيني. فمن يجب ان يصدق العالم اقوال بوش الزائفة والكاذبة ام المشاهد المروعة للقتل والدمار؟ ونحن نسأل الرئيس دبليو بوش اذا كان شارون هو رجل السلام فلماذا التهديد باستخدام الفيتو ضد اي قرار يصدر من مجلس الامن باجراء تحقيق دولي في مجازر جنين؟ انه التناقض بل والكذب المفضوح، اذ يبدو ان الادارة الامريكية تؤمن بمقولة بوق النازية جوبلز «اكذب.. اكذب حتى يصدقك الناس» ولكننا بالطبع لن نصدقها، لاننا نعرف انها رأس الافك على هذا الكوكب. ان محاولات تسويق شارون عبر الادارة الامريكية لن تنعكس الا خسراناً على المصالح الامريكية. وأن التهديد الامريكي باستخدام الفيتو في مجلس الامن امس ضد فتح تحقيق دولي في مجزرة جنين وضد ارسال قوات دولية الى الاراضي الفلسطينية سيكون ثمنه ضرب المزيد والمزيد من المصالح الامريكية، ولن ننخدع بمحاولات التجميل التي صدرت مساء أمس عن البيت الأبيض بشأن جنين. فالشعب العربي ـ وان صمتت حكوماته ـ فإن صبره نفد. ونبشر السيد دبليو بوش ان حملات مقاطعة البضائع الامريكية تنتشر سريعاً في الوطن العربي، وسط تفاعل والتزام غير مسبوق من جانب العرب جميعاً، وأن الايام المقبلة ستكشف له عن حجم الخسائر التي ستصيب اقتصاد بلاده، فإذا كانت البداية اليوم مع مشروبات بلاده الغازية والوجبات السريعة، فغداً تصل الى صفقات السلاح والدواء وقطاع الكمبيوتر وغير ذلك. وهنا نلتفت الى الساسة العرب وندعوهم الى الاستجابة لمطالب شعوبهم ليس فقط فيما يتعلق بالعلاقات مع اسرائيل ولكن ايضاً بالنسبة لمطالب تحجيم العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية؟ فكفاكم ادعاءً بأنها وسيط للسلام، وبأنها دولة صديقة، وبأنها حريصة على العلاقات العربية، فكل ذلك وهم والتمادي فيه كذب يضع من يتمسك به في شبهة الشراكة مع شارون وبوش. بل ان الاستمرار في مثل هذه السياسات المهادنة هو الذي منح كليهما الفرصة لمزيد من التمادي في التطاول على الحقوق العربية وسفك المزيد من الدماء الفلسطينية، ثم اصدار المطالبات الى دول عربية بعينها بمحاربة ما تزعم امريكا انه «ارهاب» في الوقت الذي تصف فيه شارون بأنه «رجل سلام»! ان كل الاحداث والتداعيات التي شهدتها المنطقة العربية منذ العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني تؤكد ان استمرار المراهنة على السياسة الامريكية او على الدور الامريكي هو مغامرة خاسرة. وان الاستمرار على هذه السياسات، والاصرار عليها ينتقص ليس فقط من قوة العرب واحترامهم الدولي، وانما من وجود العرب في الحياة، فقد ثبت ان كل دقيقة صمت عربي تجابه برصاصة تنهي حياة فلسطيني، وكل مهادنة من جانبنا تقابل باستهانة من تل ابيب وواشنطن، ومن ثم فإن التمسك بنهج السياسات العربية الحالية يعني عند بوش وشارون صك استسلام عربي.