لم يحدث أن وصل الاستخفاف الأمريكي بمشاعر وعقول العرب الى المستوى الذي آلت اليه جولة الجنرال كولن باول في المنطقة، حيث الكثير من الابتسامات مع الاسرائيليين، والاكثار من الضغوط على الفلسطينيين، ومحاولات تسويق الوهم. وكأن رأس الحربة الدبلوماسية الامريكية أراد بهذه الجولة تخدير النظام الرسمي العربي بالمزيد من وعود السلام المؤجلة في انتظار تمكين شارون من ابادة المقاومة الفلسطينية وفرض شروطه بمدافع الدبابات وطائرات الأباتشي. وان صح ما أعلنه وزير الخارجية الامريكي امس في ختام جولته حول رغبة بعض القادة العرب في عقد مؤتمر دولي للسلام فإن فصول الخديعة الجديدة تكون قد اكتملت وتحقق لارييل شارون مبتغاه. فقد كان الارهابي يحلم منذ تزعمه المعارضة الاسرائيلية ابان حكومة ايهود باراك بتمزيق اتفاق أوسلو للسلام وهو ما لن يتحقق الا بالغاء مرجعية هذا الاتفاق المتمثلة في مؤتمر مدريد وقرارات الشرعية الدولية وهذا ما يطمح إليه عبر اقتراحه الخبيث بعقد مؤتمر دولي جديد يجب ما قبله ويترك عشر سنوات من المفاوضات والاتفاقات والتفاهمات هباء منثوراً. ومن أجل ذلك حدد شارون يونيو المقبل موعداً لمؤتمره المقترح تاركاً لنفسه مهلة كافية لتقويض السلطة الفلسطينية واطاحة رئيسها ياسر عرفات على أمل ظهور قيادات فلسطينية جديدة تقبل املاءاته وتفرد الولايات المتحدة بدور الخصم والحكم في ظل استبعاد الاتحاد الاوروبي. على الجهة الاخرى يبرز احتمال ادراج مهمة باول في اطار تخبط السياسة الخارجية الامريكية فيما يخص الشرق الأوسط وعجز ادارة جورج بوش عن ممارسة أية ضغوط جدية على شارون الذي لن ينجو من صورته الفاشية في الرأي العام العالمي بعد مجازر نابلس وجنين، خصوصاً وأن انتخابات الكونجرس على الأبواب واستماتة بوش من اجل ضمان أغلبية جمهورية تسنده لا مجال لبلوغها من دون محاباة اللوبي الصهيوني. وان كان الامر كذلك فإن باول يودع وصية في يد شارون مفادها ان الفلسطينيين بحاجة للمزيد من «التأديب» ولكن بعيداً عن وسائل الاعلام و«بإتقان» أكثر. وعليه فإن مجازر جديدة وبخطورة اشد في الطريق الى الشعب الفلسطيني المقاوم طالما تمسك بعض العرب بفضائل الصمت وانتظار سيل المبعوثين الامريكيين الذي لا ينقطع بكل ما يحمله من وصفات التخدير وذر الرماد في العيون. الهزيمة العربية ـ الفلسطينية الأقسى ستكون بلا شك القبول بالمؤتمر شبه الدولي المقترح الذي يعيد الصراع الى نقطة الصفر او مربعه الاول دون الالتفات الى صرخات الثكالى بين جداول الدم المستباح. ولن يتحقق لنا أي ضوء في آخر النفق من دون التمسك بطلب نشر القوات الدولية لضمان انسحاب الجيش الاحتلالي من كافة المناطق المحتلة عام 1967 بعد رد الملف برمته الى مجلس الأمن وانتزاع آلياته الالتزامية ومدها لتطال الدولة العبرية المتمردة على الشرعية الدولية.