أنهى وزير الخارجية الامريكي كولن باول مهمته في المنطقة بتركها في قبضه الارهابي ارييل شارون وبلقاء عاصف و«كارثي» مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي قاوم خلاله المزيد من الضغوط الامريكية، وطالب بتدخل دولي عاجل في أعقاب تقييم سلطته لمهمة باول على أنها ضوء أخضر لمزيد من العدوان الاسرائيلي حين تحدث بغموض عن الفترة اللازمة للانسحاب من المناطق الفلسطينية المحتلة فيما كان شديد الوضوح وهو يطالب عرفات بعدم المراوغة في محاربة الارهاب ويؤكد دعمه لمؤتمر الارهابي ارييل شارون. وتعزز هذا الانطباع بدعوة الرئيس الامريكي جورج بوش للفلسطينيين بوقف الانتفاضة وللعرب بـ «الكف عن تمويل الارهاب والتحريض عليه» وان يقولوا ان القاتل ليس شهيداً، وللاسرائيليين بسحب قواتهم متناسياً مطلبه السابق بالانسحاب الفوري. ومع هذا الضوء الأمريكي «شديد الاخضرار» واصل شارون عدوانه بقتل أربعة شهداء واجتاحت قواته العديد من القرى والمناطق الفلسطينية مكرراً رفضه لنشر اي قوات دولية مستنداً لغطاء امريكي يغرق المنطقة ويخدرها في لعبة المبعوثين والجولات المكوكية حيث سيصل كل من جورج تينيت مدير المخابرات المركزية والمبعوث الخاص وليم بيرنز للمنطقة قريباً. وحاول باول تفريغ عجزه الظاهر امام اسرائيل بصب المزيد من الضغوط على عرفات خلال اجتماع ختامي بينهما في مقر الرئيس الفلسطيني المحاصر برام الله وصف بالمتوتر والعاصف حيث بدت علامات الغضب بادية عليهما عقب ساعتين من هذا الاجتماع. وقال وزير الاعلام الفلسطيني ياسر عبد ربه الذي حضر الاجتماع ان نتيجة الاجتماع كانت «كارثية» وقال ان الفلسطينيين فشلوا في ضمان أي انسحاب فوري للقوات الاسرائيلية. وقالت شبكة سي.إن.إن الامريكية ان باول خرج من الاجتماع ووقف دون أن ينبس بكلمة على عتبات المبنى لمدة دقيقتين حتى يتمالك نفسه. ولم يستطع مشاهدة باول عن قرب سوى الصحفيين الامريكيين الذين سمح لهم بتغطية زيارة باول. واطلق باول تصريحات حازمة وفي منتهى الوضوح ضد السلطة الفلسطينية، ورئيسها عرفات فيما كان في منتهى الغموض والضبابية حيال اسرائيل والسفاح شارون. واعتبر باول خلال مؤتمر صحفي في القدس ان «انهاء التوغلات الاسرائيلية» في الضفة الغربية» واستئناف الاتصالات الامنية، «وحدهما كفيلان بالتوصل إلى وقف لاطلاق النار». واضاف باول «ان تعبير وقف اطلاق النار ليس التعبير المناسب في الوقت الحاضر ولن يصبح كذلك الا مع انتهاء التوغلات وبعد ان يصبح الانسحاب كاملا، ومع استئناف الاتصالات الامنية». واوضح «يمكننا ان نعلن وقف اطلاق النار اليوم لكن ماذا سيكون معناه؟». واضاف وزير الخارجية الامريكي ان على عرفات «ان يتخذ خيارا استراتيجيا، وان يقرر كما قرر العالم، وقف الارهاب». وافاد باول انه قال «بوضوح (للرئيس الفلسطيني) والسلطة الفلسطينية انهما لم يعد بامكانهما المراوغة» في هذا المجال. وعدد باول الاجراءات الملموسة التي ينتظرها من الرئيس الفلسطيني. واوضح ان عرفات «يجب ان ينقل هذه الرسالة الى شعبه وان يصدر التعليمات الى قواته الامنية لتبدأ بملاحقة الارهابيين وتوقيفهم وتضع حدا لتمويل الارهاب وتفكك البنى التحتية الارهابية وتوقف التحريض على العنف». واعلن باول من جهة اخرى ان الولايات المتحدة ستعاود «في الايام المقبلة» الاتصالات في المجال الامني مع السلطة الفلسطينية «لتقييم الامكانات، واقامة تعاون فعال في المجال الامني بين الاسرائيليين والفلسطينيين مجددا». وقال انه بعد الانسحاب يمكن ابقاء مساعده وليام بيرنز ومدير وكالة الاستخبارات الامريكية «سي.آي. ايه» جورج تينيت المتوقع وصوله خلال أسبوع. وقال باول انه لمس خلال مشاوراته فى مدى الايام العشرة الماضية مع الاصدقاء العرب والاسرائيليين والفلسطينيين تأييدا واسعا للاستراتيجية الامريكية للسلام . واوضح ان هذه الاستراتيجية تتضمن اولا عدم وجود ما اسماه «ارهاب وعنف» من جانب الفلسطينيين وايضا تسريع المسار السياسى وصولا الى حل سياسى وتقديم المساعدات الانسانية لمعالجة الاوضاع المتردية فى المناطق الفلسطينية. وكشف عن هدف مهمته الرئيسى وهو انهاء الاحتلال الاسرائيلى للاراضى الفلسطينية فورا قد تغير لدى وصوله الى المنطقة وقال ان «بوش اراد رؤية انسحاب فورى، ولاسباب لا اريد الدخول فى تفاصيلها الان ... ذلك لم يحدث .. هناك تقديرات مختلفة وافكار متفاوتة .. وحسب كلمات شارون فان الانسحاب سيتم فى غضون الايام القليلة المقبلة .. كما ان شارون ابلغه ان قوات الاحتياط يعودون الان الى بيوتهم» لكنه عاد واشار الى ان جدول الانسحاب الزمني سيبدأ نهاية الاسبوع الحالي. اما الرئيس الفلسطيني الذي بدا غاضباً خلال تصريحات لوسائل الاعلام الامريكية المرافقة لباول فقد اصر على الانسحاب الاسرائيلي الفوري وسأل العالم ان كان ما يحدث من عدوان على المناطق السكنية والمقدسة مقبولاً. وكان عرفات دعا العرب والعالم للتحرك العاجل لكنه بدا صامداً في تصريحات لمحطة فضائية تونسية بترديدة «يا جبل ما يهزك ريح» و«نحن لها باذن الله». وجدد عرفات رفضه لفكرة شارون حول عقد مؤتمر دولي للسلام. وفيما كان العقيد محمد دحلان مسئول الامن الوقائي في قطاع غزة يؤكد مساندة الامريكيين لعدوان شارون حذر كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات من ان نتائج مهمة باول تعد في حد ذاتها ضوءاً أخضر لتصعيد العدوان الى مستويات أخطر. وقال عريقات لوكالة فرانس برس «يبدو واضحا ان الولايات المتحدة لم ترغب في مواجهة شارون والزامه بالانسحاب الفوري من الاراضي التي اعاد الجيش الاسرائيلي احتلالها وبالتالي الصورة الان أسوأ مما كانت علية عندما وصل الوزير باول». واضاف عريقات «يبدو ان شارون لم يستجب لطلبات الوزير باول العلنية بالانسحاب الفوري من الاراضي التي اعيد احتلالها والان بدأنا نسمع عن انسحاب بعد ثلاثة ايام واعادة دخول وهذا ما يتحدث به شارون وهذا ما يقوم به شارون». ووصف عريقات اجتماع الرئيس عرفات مع الوزير باول بأنه «كان صعبا للغاية». واضاف عريقات «ان العالم اجمع بما في ذلك الرئيس بوش واوروبا والامم المتحدة قالوا انهم يطالبون بالانسحاب الفوري». واضاف محذرا «هذا الانسحاب الفوري لم يحدث فكيف سيكون موقف شارون الان؟ سيكون موقف شارون المزيد من الاعتداءات والمزيد من الاقتحامات واننا نحذر من ان يحدث اخطر مما حدث ». وتساءل «اذا كانت الادارة الامريكية لم تلزم شارون بالانسحاب من رام الله وبيت لحم فهل تريد الادارة الامريكية اقناع العالم العربي والعالم كله انها ستلزمه بالانسحاب الى خط الرابع من يونيو 1967 في عملية سلام مستقبلية من خلال هذا المؤتمر او ذاك». وقال الرئيس الامريكي جورج بوش أمس ان وزير الخارجية كولن باول احرز تقدما باتجاه احلال السلام في الشرق الاوسط. وقال بوش في كلمة بمعهد فرجينيا العسكري ان على الفلسطينيين ان يتحركوا وفقا لادانة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الاخيرة للهجمات وعلى اسرائيل ان تواصل سحب قواتها من المناطق الفلسطينية وعلى العرب ان يكفوا عن تمويل الارهاب والتحريض عليه. وقال بوش «اود ان اشكر الوزير باول على عمله الشاق. وسيعود للوطن بعدما احرز تقدما باتجاه السلام.. نحن نتعامل مع كراهية استمرت قرونا وهي صراعات هدأت لبعض العقود ولكني اريدكم ان تعلموا انني سأستمر في قيادة الامور نحو رؤية للسلام». ودعا بوش جميع الدول العربية للتحرك ضد «الارهاب في الشرق الاوسط»، وذكر بالاسم مصر والاردن والسعودية. وقال بوش «على جميع الدول العربية ان تكون على مستوى مسئولياتها. المصريون والاردنيون والسعوديون ساعدوا في الحرب الواسعة على الارهاب. وعليهم ان يساعدوا في مواجهة الارهاب في الشرق الاوسط». وقال «جميع الاطراف تتحمل مسئولية في وقف التمويل او التحريض على الارهاب. وعلى جميع الاطراف ان يقولوا بوضوح ان القاتل ليس شهيدا. فهو او هي مجرد قاتل»، في اشارة صريحة الى العمليات الاستشهادية المناهضة لاسرائيل. من جانبه قال مسئول أمريكي أمس ان باول حقق «بعض التقدم» في مهمته رغم أنه لم يتوصل لاتفاق لوقف اطلاق النار. وقال مسئول طلب عدم ذكر اسمه «الرئيس راض جدا. تمكن الوزير من الذهاب الى المنطقة للمساعدة في تهدئة الموقف... ولاعادتنا الى طريق السلام». وأضاف «حقق بعض التقدم وسيواصل عمله. نقوم بتقييم الخطوات القادمة». واشار المسئول الامريكي الى تقدم يتمثل في حقيقة ان باول «حصل على صورة واضحة لنوايا اسرائيل الخاصة بالانسحاب». ومضى يقول ان باول نجح في اقناع الحكومة الاسرائيلية بأهمية السماح لمنظمة الصليب الاحمر الدولية ومنظمات اخرى بدخول جنين ومناطق اخرى. وقال المسئول ان باول استطاع على الجانب الفلسطيني ان يجدد اهمية انتقاد السلطة الفلسطينية «للارهاب» مشيرا الى صدور بيان في هذا الصدد قبيل وصول باول الى رام الله. ولم يأبه جيش الارهابي ارييل شارون لمهمة باول حيث واصل أجندته العدوانية باجتياح قريتي بلعا شرقي طولكرم والظاهرية اضافة لقصف سيلة الحارثية واعتقال المئات في مخيمي عسكر قرب نابلس وسط اعتراف قائد الجيش الاسرائيلي شاؤول موفاز باعتقال خمسة آلاف فلسطيني منذ بدء العدوان واغتال جنود الاحتلال انور نصار خلال اجتياح بلعا كما قتل حسن رصرص في بلدة بيت أمر قرب الخليل اضافة الى العثور على ابراهيم رترف مقتولاً بالرصاص. وتوغلت الدبابات الاسرائيلية في بيت حانون بقطاع غزة وقصفت خانيونس فيما استشهد أحد عناصر حركة حماس وأصيب اثنان آخران خلال اشتباك مع جيش الصهاينة. واعتبر شارون في مقابلة مع اذاعة الجيش الاسرائيلي ان «نشر قوة دولية سيشكل خطرا كبيرا على اسرائيل، لانها لن تحول دون تنفيذ ارهابيين (فلسطينيين) جرائمهم في حين انها ستمنع اسرائيل من الرد». واضاف «وافقنا في المقابل على انتشار عدد محدد من المراقبين الامريكيين» مشيرا الى ان اسرائيل اعطت موافقتها العام الماضي لنشر «نحو عشرة مراقبين من وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (سي اي ايه)».