خلافاً لما توهمه غالبية العرب تنتهي اليوم بالقاهرة جولة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بالمنطقة دون تحقيق الانسحاب الاسرائيلي من المدن الفلسطينية أو وقف العدوان الذي تواصل أمس، في كافة المناطق خاصة بطولكرم والقدس ونابلس مشتملاً على اجتياح وقتل واعتقال واختطاف متزامناً مع اعلان اسرائيل انها ستبدأ في اقامة الجدار العنصري الفاصل في الضفة خلال اسبوعين. وتناقضاً مع حقائق العدوان على الأرض كان لافتاً اعلان باول انه متفائل بصدور اعلان فلسطيني اسرائيلي مشترك او منفصل اليوم عقب اجتماعه مع الرئيس الفلسطيني المحاصر في رام الله يتضمن ادانة الارهاب مع التأكيد على الدولة الفلسطينية، لكن غالبية المسئولين الفلسطينيين ابدوا تشاؤمهم من تحقيق التقدم الذي اشار اليه باول والبيت الأبيض قبل تنفيذ الانسحاب الاسرائيلي، وما يزيد من هذا التشاؤم ما اشترطته اسرائيل أمس لوقف اطلاق النار بتوقيع عرفات على وثيقة المبعوث الأمريكي انتوني زيني التي سبق وأن رفضها باعتبارها استسلاماً وإسرائيلية الصنع. وتزامن ذلك مع تهديد كتائب الاقصى والمقاومة الفلسطينية باستهداف شارون ورئيس اركانه شاؤول موفاز وكبار المسئولين والسفراء الامريكيين حال تعرض الاسير مروان البرغوثي امين سر حركة فتح بالضفة للاذى وسط ترجيح مسئول فلسطيني ان وشاية أو تتبع مكالمة تليفونية قادت لأسر البرغوثي. وقال باول ان محادثاته مع الاسرائيليين والفلسطينيين تحقق تقدما لكنها قد لا تؤدي الى وقف لاطلاق النار قبل مغادرته المنطقة اليوم. ويعمل مسئولون امريكيون مع الجانبين على صياغة بيانين منفصلين بخصوص وقف اطلاق النار. الا ان الفلسطينيين قد لا يكونون مستعدين لاصدار بيانهم ما لم تنسحب اسرائيل على الفور من مدن الضفة الغربية التي اعادت احتلالها يوم 29 مارس. واجتمع باول مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون أمس للمرة الثالثة خلال زيارته في محاولة على ما يبدو لاقناعه بالالتزام بجدول زمني للانسحاب الكامل من المناطق التي اعادت القوات الاسرائيلية احتلالها في الضفة الغربية. وكان شارون وعد في الاسبوع الاخير بعمليات انسحاب جزئي. واوضح المفاوض الفلسطيني صائب عريقات انه لا يعلق املا كبيرا على التطورات الاخيرة. وقال لرويترز «مناقشاتنا مع الجانب الامريكي تتركز على الانسحاب الاسرائيلي الفوري والربط بين القضايا الامنية والقضايا السياسية». واضاف «مأزقنا هو قضية اعادة الاحتلال واذا غادر وزير الخارجية باول هذه المنطقة مع استمرار الاحتلال الاسرائيلي فسيكون هذا مأزقا خطيرا». لكن وزير الاعلام الفلسطيني ياسر عبد ربه رفض تصريح باول القائل بحصول «تقدم» في المفاوضات حول وقف اطلاق النار معتبرا ان التقدم لا يمكن ان يكون من دون حصول انسحاب فوري للقوات الاسرائيلية. وقال عبد ربه لفرانس برس «قبل الحديث عن التقدم في اي مفاوضات سواء كانت سياسية او امنية او اقتصادية لا بد من تطبيق قرارات مجلس الامن الداعية الى انسحاب فوري من كافة المدن والقرى ومخيمات اللاجئين المحتلة من قبل الجيش الاسرائيلي». واضاف «ان ذلك (الانسحاب) ضروري ويجب ان يسبق اي تصريح بشأن حصول تقدم». وقال باول للصحفيين «نحقق تقدما وأتطلع لتعزيز ذلك التقدم خلال الساعات الاربع والعشرين المقبلة لكنني لا أريد الخوض في التفاصيل فيما يتعلق بما سأتمكن من انجازه وما لن أتمكن من انجازه. واضاف دون الخوض في تفصيلات «تعبير وقف اطلاق النار ليس بنفس اهمية ما يحدث فعليا في الواقع متى قورن هذا بتعبير محدد. ونحن نعمل في هذا الصدد». وكان باول يتحدث في عجالة في بداية اجتماع مع بعض زعماء المجتمع المدني الفلسطينيين حين ألح عليه الصحفيون ان يقدم معلومات. وبدا انه يهون من التوقعات بخصوص مدى استعداد الجانبين للتوصل الى وقف لاطلاق النار. وكان قد قال قبل ان يغادر واشنطن انه قد لا ينجح في تحقيق ذلك. وقال مسئولون امريكيون ان كلا من الجانبين سيصدر بيانا قد يلتزم فيه بالعمل على احلال السلام دون لجوء الى العنف بدلا من اصدار اعلانين بوقف اطلاق النار. غير انه ما زال غير واضح ان كان عرفات قد يوافق على مثل هذا البيان مع استمرار احتلال القوات الاسرائيلية لمدن الضفة الغربية بما في ذلك رام الله وبيت لحم وجنين ونابلس. وأعرب البيت الابيض أمس عن ارتياحه لسير مهمة باول في الشرق الاوسط، مشيرا الى ان الرئيس جورج بوش ملتزم في البحث عن السلام في المنطقة. وقال الناطق باسم البيت الابيض اري فلايشر ان «وزير الخارجية يبذل نشاطا مكثفا ويقوم بعمل ممتاز». واوضح ان باول يسعى لتحقيق عدد من الاهداف، احدها احلال «ظروف تسمح ببدء المفاوضات السياسية». لكنه تابع انه «من اجل تحقيق ذلك، ينبغي التوصل الى عدد من الامور، من بينها خفض العنف وعزم الطرفين على التحاور وانسحاب اسرائيل من المناطق التي احتلتها والتزام جميع الاطراف العمل في اطار مهمة زيني عبر الموافقة على خطتي تينيت وميتشيل». واضاف ان بوش «يتابع عن كثب» مهمة باول في الشرق الاوسط و«هو يعتقد ان المهم الان هو ان نترك باول يواصل مهمته ثم يعود ليرفع تقريرا الى الرئيس ومجلس الامن القومي لتحديد الخطوات الواجب اتخاذها فيما بعد». وكشفت مصادر مطلعة لوكالة الاسوشيتدبرس ان الاعلان المتوقع يقتصر على إدانة الارهاب والتأكيد على الدولة الفلسطينية المستقلة. وكانت صحيفة «واشنطن بوست» الامريكية نقلت عن كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات قوله ان المداولات احرزت تقدماً في رسم ثلاثة مسارات متوازية هي: اتخاذ اجراءات أمنية لانهاء العمليات الاستشهادية واتخاذ خطوات سياسية تؤدي إلى اقامة دولة فلسطينية وبرنامج اقتصادي تموله جهات دولية للمساعدة في اعادة اعمار ما دمره العدوان الاسرائيلي. وفيما أكد المسئولون المرافقون لباول انه سيعرج على القاهرة اليوم في ختام جولته في المنطقة قالت مصادر اسرائيلية انها ترجح ايفاد مدير وكالة الاستخبارات الامريكية «سي.أي.ايه» جورج تينيت الى المنطقة لينوب عن باول. وهكذا ترك باول لشارون الحبل على الغارب لمواصلة عدوانه حيث سارع الأخير لمواصلة لعبة الخداع عبر تصعيد جيشه الاجتياحات بعد ساعات فقط من ابلاغه الرئيس الامريكي جورج بوش الليلة قبل الماضية عزمه سحب جيشه من نابلس وجنين خلال اسبوع. وشنت مروحيات الاحتلال غارات عنيفة على مخيمي عسكر (القديم والجديد) المتاخم لنابلس بالتزامن مع قصف مركز بمدافع الدبابات قبيل اعادة احتلالهما. وسمع دوي انفجارات عنيفة داخل المخيمين وان ألسنة اللهب تصاعدت فى المنازل وان سحابة من الدخان الكثيف غطت سماءهما وان العشرات من المنازل دمرت جراء ذلك كما اجتاحت الدبابات المخيمين وبدأت الجرافات بهدم المنازل على أهلها وان صراخ الاطفال وامهاتهم يسمع من داخل المخيم واعتقلت العشرات من المواطنين . وقالت مصادر فلسطينية ان طفلا استشهد في حصيلة أولية لهذا العدوان. وأوضحت المصادر ان الشاب زهير ستيتي (22 عاما) استشهد خلال عمليات التمشيط الجارية في مخيم جنين فيما اوضحت المصادر أن محمد أبو عزارة (25 عاما) الذي استشهد الليلة قبل الماضية برصاص الاحتلال قرب منزله القريب من معبر بيت حانون في قطاع غزة «معاق حركياً وعقلياً». كما استشهد قاسم فراس أبو مياله (24 سنة) برصاص الاحتلال أثناء سيره في سوق الخضار بالبلدة القديمة في الخليل. ومن جانب آخر أعادت القوات الاحتلالية الاجرامية الاسرائيلية فجر امس احتلال مدينة طولكرم بالكامل حيث دخلت دباباتها تساندها المروحيات الى المدينة ومخيميها طولكرم ونور شمس وانتشرت فى الشوارع وفرضت نظام منع التجول وحظرت على المواطنين الخروج من منازلهم مهددة كل من يحاول الخروج بالموت ما أسفر عن اصابة عشرة واختطاف تسعة قبل انسحابها. كما فرضت قوات الاحتلال حظر التجول على كافة بلدات القدس الشرقية وشددت حصاره المحكم لقلقيلية فيما اصيب 15 فلسطينيا خلال قصف بلدة دورا القريبة من الخليل جنوب الضفة. ورداً على اعتقال مروان البرغوثي قالت كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس في بيان رداً على اعتقال البرغوثي «نقول لشارون وأركان حكومته لقد فتحتم باب جهنم على أنفسكم باعتقال هذا القائد الوطني وحولتم انفسكم الى هدف مشروع للقتل والاغتيال». وحملت كتائب عز الدين القسام «المجرم شارون وحكومته كامل المسئولية عن سلامة البرغوثي وسلامة كافة مجاهدينا المعتقلين في سجون العدو». وكانت كتائب شهداء الأقصى، الجناح العسكري لحركة فتح حذرت اسرائيل في بيان بأنه «اذا تعرض مروان البرغوثي للمساس فستصل ايدينا الى شارون وموفاز». ومضى بيان كتائب شهداء الأقصى قائلاً: «اننا نعرف كيف نصل الى بيوتهم، كما نحذر الولايات المتحدة اذا تعرض البرغوثي لأي سوء فسنهاجم سفراء الولايات المتحدة في انحاء مختلفة من العالم وسنجعل حياة اسرائيل جحيماً». وكان شارون ووزير خارجيته شيمون بيريز اكدا امس على ان البرغوثي سيحال الى القضاء الاسرائيلي فيما فضحت الصحف العبرية نوايا رئيس وزراء دولة الاحتلال بنقلها قوله انه «كان يفضل استلام البرغوثي رماداً في جرة». وقالت «هآرتس» ان اجهزة الامن الاسرائيلية تسعى جاهدة لانتزاع اعترافات من البرغوثي «تورط» الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بما تصفه «اعمالاً ارهابية». وكان مسئول امني فلسطيني حصر الأسباب التي قادت لأسر البرغوثي باحتمالين: تتبع مكالماته او مكالمات حارسه الهاتفية او وشاية من عملاء طالما حاربهم البرغوثي بقسوة طبقاً لموقع «ايلاف» على شبكة الانترنت. في غضون ذلك زعم جيش الاحتلال انه عامل البرغوثي باحترام خلال اجراءات اعتقاله ونقله الى مركز اعتقال المسكوبية في القدس. وقالت مصادر الجيش ان المدرعات طوقت منزلاً لعجوز في احدى قرى رام الله وطلبوا من ساكنيه الخروج فخرجوا ومن ضمنهم احمد البرغوثي حارس مروان الشخصي. وطلب الجيش من احد الاشخاص الذين سلموا انفسهم ان يفحص المنزل مرة اخرى وبالتالي دخل هناك ثم عاد وأبلغهم انه ما من احدى سوى امرأة عجوز. وتابعت المصادر في هذه المرحلة اصر قائد قوات الجيش في الضفة الغربية البريجادير جريشون تيسحاق الذي اشرف على العملية بنفسه على دخول قوات الجيش لداخل المنزل وتقوم بتفتيشه ودخلت تلك القوات ووجدت مروان البرغوثي في صالة المنزل وألقت القبض عليه دون اي مواجهة ودون اطلاق اي عيارات نارية او عنف. واكدت المصادر ان البريجادير تيسحاق تعهد للبرغوثي ان يعامل بشكل جيد وطلب من جنوده عدم مسك البرغوثي او تقييده بالأصفاد بل تركه يسير لوحده الى خارج المنزل ومن ثم العربة العسكرية التي نقلته الى مركز اعتقال المسكوبية بالقدس. وكشف قائد سلاح الجو الاسرائيلي دان حلوتس امس عن اصابة ثلاث مروحيات بالرصاص الفلسطيني خلال العدوان الأخير. في غضون ذلك كشفت صحيفة «يديعوت احرونوت» العبرية ان وزارة الحربية الاسرائيلية شكلت ادارة خاصة ستتولى مهمة اقامة جدار فاصل مع الفلسطينيين خلال اسبوعين على طول ما يسمى بالخط الأخضر (خط حدود 1967) وليس داخل المناطق الفلسطينية. واوضحت الصحيفة ان الجدار سيكون على غرار ما أنشيء على الحدود مع لبنان بعد الانسحاب وانه سيبدأ في منطقة أم الفحم في وادي عارة ومنطقة باقة الغربية قرب طولكرم وقلقيلية. أول صورة للبرغوثي لحظة اعتقاله وزعها الجيش الاسرائيلي امس أ.ف.ب