مع تنوّع الأحداث وكثافة ضغوطها يؤكد لبنان أنه قادر ومقتدر دوماً على تقديم أنموذج عربي مشرق جدير بالاحترام والمحاكاة. ففي غضون زيارة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول إلى بيروت، برقت إيماءات لبنانية وضيئة ينبغي تأملها واستخلاص دروسها بغية الاهتداء بها. أول هذه الإيماءات اللبنانية يتجسد في التناغم الجريء بين السلطة والشعب والتلاحم الشجاع بين النظام والمقاومة في بناء وتبني موقف موحد في مواجهة الوزير الأمريكي. وهو موقف حازم يتّسم بالكبرياء على قدر رفضه للغة التهديد والوعيد أو الاستقطاب والترغيب. ففي انسجام نادر أعلن لبنان رسمياً وشعبياً وحدته في مواجهة أقوى دولة وأكبر داعم للكيان العدواني المجاور. جاء هذا الرفض والإعلان في التظاهرات الشعبية التي واجهت باول وفي اللقاءات التي دارت داخل أروقة السلطة على لسان المسئولين الذين التقاهم. الإيماءة الثانية أن هذا التناغم اللبناني جاء عفوياً دون ترتيب من قبل أجهزة السلطة أو نشطاء المقاومة وهي عفوية تعكسها زيارة باول الارتجالية. فكما الزيارة لم تكن مقررة فإن الموقف اللبناني لم يكن مرئياً دون أن يتنصل النظام من دور المقاومة أو تُنكر المقاومة دعم النظام. الإيماءة الثالثة محورها القدوة التي يقدمها لبنان. فهذا البلد الصغير وفقاً لخطوط الطول والعرض أو الكثافة السكانية يضرب مثلاً حياً للكبرياء العربي، إذ أن الوزير الأمريكي واجه في بيروت ثباتاً على المبادئ وتشديداً على الثوابت لم يسمعها في العواصم العربية التي زارها من قبل. ووجد الوزير الأمريكي نفسه محاصراً على الصعيدين الرسمي والشعبي. الرئيس اللبناني يؤكد مشروعية المقاومة في وجه الاحتلال. رئيس مجلس النواب اللبناني ـ نبيه بري ـ تغيّب عن اللقاء رفضاً للموقف الأمريكي المساند لشارون الملطخ بدماء الفلسطينيين. وزير الخارجية اللبنانية يطالب إدارة بوش بنظرة شاملة للوضع في المنطقة. وزير الإعلام اللبناني يجدد دعم السلطة للمقاومة المشروعة في وجه الاحتلال. الشارع اللبناني يتظاهر مندداً بالانحياز الأمريكي السافر للعدوان الإسرائيلي الهمجي. إيماءات لبنانية تنسج موقفاً يستوجب التقدير والإطراء ليس لأنه فقط يؤكد أن المقاومة هي السبيل العربي الوحيد لانتزاع الحقوق في ظل غياب موضوعية الدولة الأعظم، وإنما لأنه كذلك يؤكد أن الشجاعة في الحق ليست بالكثرة. ربما يكون لبنان أكثر من غيره تعرض لدفع ضريبة مواقفه الأصيلة ثمناً باهظاً من بناه التحتية، لكن ذلك لم يفت في إرادته وعروبته وعمق نظرته. لبنان استوعب على الصعيدين الرسمي والشعبي أن جولة باول ليست سوى مجهود أمريكي لتحسين صورة شارون طوعاً أو قسراً، ولذلك عمد لبنان رسمياً وشعبياً إلى إجهاض هذا المجهود الأمريكي. وهي ليست الإيماءة اللبنانية الوضيئة الأخيرة.