الحصيلة في ثلاثة أيام صفر كبير للعرب ومكاسب جمة لاسرائيل. جاء باول والتقى عرفات، ولايزال عرفات أسيراً. وقد يمضي باول إلى واشنطن، ليمضي عرفات ما بقي له من زمنه أسيراً. وربما يتحول غداً إلى سجين، فعندئذ نتمنى لو أنه بقي أسيراً. هذا هو السيناريو الاسرائيلي المعد أمريكياً في مطابخ البيت الأبيض، فالسفاح شارون أمر بعض معاونيه من السياسيين والقانونيين باعداد ورقة لاتهام عرفات بالإرهاب تمهيداً لتقديمه إلى المحاكمة. فهل هناك استعباط واستفزاز وابتزاز وقلب للحقائق أكثر من ذلك.. السفاح يحاكم الضحية.. والارهابي يحاكم البريء بتهمة الارهاب. فأي استكبار صهيوني وأي هوان عربي. لقد تحدث مسئولون عرب ابان ترتيبات القمة العربية في بيروت بأنه ليس مقبولاً أن يمنع عرفات من حضور القمة، وليس مقبولا إذا حضر ألا يعود. فهل من المقبول ان يستمر عرفات محاصراً وأسيراً؟ وهل من المقبول أن تستمر المجازر ضد الشعب الفلسطيني منذ يوم 29 مارس المنصرم وحتى اليوم دون أي رد فعل عربي يرتقي إلى واقع الأهوال التي يعيشها الفلسطينيون. اننا ندعو إلى رد عربي قوي ضد واشنطن. ولا يهم ان كان هذا الرد رسمياً أو شعبياً. المهم ان يكون هناك رد قوي. فالشعوب لديها الارادة ولديها القدرة على معاقبة أمريكا بالعديد من الطرق والأساليب التي تجبر واشنطن على إعادة حساباتها. فقد ثبت ـ يقيناً ـ أن أمريكا شريك في العدوان على الأمة العربية كلها وليس فقط على الشعب الفلسطيني. وإلا كيف نقيم ونتعامل مع تصريحات الرئيس الأمريكي منذ ما قيل عن وجود تحول في الموقف الأمريكي اعتباراً من البيان الذي ألقاه الرئيس دبليو بوش مساء يوم الخميس الرابع من ابريل الجاري وطالب فيه اسرائيل بإيقاف اجتياح المدن الفلسطينية والانسحاب منها، ثم تكرار هذا الطلب بعد ذلك بثلاثة أيام خلال مؤتمره الصحفي مع رئيس الوزراء البريطاني. وفي يوم الاثنين الثامن من ابريل وجه الرئيس بوش أعنف انتقاد إلى شارون ودعاه بحزم إلى سحب الجيش الاسرائيلي من المدن الفلسطينية دون ابطاء. وتعمد بوش أن يصطنع علامات الحزم والشدة وهو يشير باصبعه السبابة امام عدسات المصورين في مدينة نوكسفيل بولاية تينسي، وكأنه يحذر شارون أو بالأحرى يأمره بعدم الابطاء. ولكن الاحداث اثبتت ان هذا كله لا يعدو ان يكون مشاهد من مسرحية أمريكية اسرائيلية تجري امام وسائل الاعلام ومن خلف ظهر العرب. ولا تفسير لذلك إلا أن الادارة الامريكية تعتبر فعلا ما يجري في فلسطين بيد الصهاينة هو المرحلة الثانية لما تسميه «الحرب ضد الارهاب» فبعد الفشل الذي منيت به جولة ديك تشيني في المنطقة العربية لحشد الموافقة باتجاه ضرب العراق تحولت البوصلة إلى فلسطين ليتم تنفيذ المرحلة الثانية بما تشهده من مجازر بأيد اسرائيلية ومباركة أمريكية شاملة وكاملة. وهذا ما قاله شارون ـ وكان يعنيه فعلاً ـ خلال لقائه مع كولن باول ظهر يوم الجمعة الماضي (الثاني عشر من ابريل) خلال مؤتمرهما الصحفي بعد لقائهما المشترك في القدس. فقد قال شارون «اننا نكمل ما بدأته الولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب»، ووافق كولن باول وتفهم ما يقال. وهذا يفسر لعبة الخداع من بدايتها وحتى اليوم، وللأسف فقد ابتلع العرب هذه الخديعة. فالولايات المتحدة ومنذ احداث سبتمبر الماضي وهي تعتبر منظمات الجهاد وحماس ثم الجبهة الشعبية وكتائب شهداء الاقصى منظمات ارهابية. ولأن هذه المنظمات تعبر عن جهاد ونضال الشعب الفلسطيني، بل هي المحرك السياسي للشارع الفلسطيني، فان ذلك يعني لديها ان الشارع الفلسطيني بل والمجتمع الفلسطيني بكامله مجتمع ارهابي.. ومن ثم باركت واشنطن كل المذابح وساعدت على اتمامها بمنح شارون الوقت الذي يحتاجه لاتمام مخططه. ان هذا هو جوهر الموقف الامريكي. وهذا هو سر الالحاح والاصرار على الرئيس الفلسطيني عرفات لادانة العمليات الاستشهادية. لأن وصم هذه العمليات بالارهاب يحقق هدف بوش وشارون ويتمم لهما مشروعية ما أراداه في هذا التوقيت. وهذا الالتقاء الامريكي الاسرائيلي على دماء وأجساد الفلسطينيين همّش كل قرارات مجلس الأمن الدولي وجعلها لا تساوي قيمة الوقت الذي أهدر فيها. فمجلس الامن والامم المتحدة كما هو معروف مجرد ألعوبة في ايدي واشنطن التي هي بدورها ألعوبة في يد تل ابيب. فعلى ماذا نراهن نحن العرب؟ ان كل المطالب والتوسلات العربية إلى واشنطن تذهب أولاً إلى تل أبيب فإن أقرها السفاح شارون وافق عليها شريكه دبليو بوش. وهذا ما يستدعي مواقف عربية وسياسات عربية جديدة تجاه سيد البيت الأبيض، وليس أقل من احياء المقاطعة الاقتصادية لكل الشركات الامريكية بما فيها الشركات المنتجة للسلاح واستبدال هذه الشركات بأخرى من دول غير متورطة في ذبح الفلسطينيين. فالذبح الفلسطيني اليوم ليس الا بروفة لتوسيع المذابح على جميع العرب بحجة وجود حركات «ارهابية» ومجتمعنا المسلم حافل والحمدلله بالحركات الاسلامية التي تضعها واشنطن تحت هذا التصنيف. وإلى جانب هذه المقاطعة الاقتصادية يجب البدء فوراً بتحرك عربي لاقامة محكمة دولية ضد شارون لمعاقبته على جرائمه في حق الشعب الفلسطيني. قبل أن يحاكم شارون عرفات ويضعه خلف القضبان سجيناً فيفتح الباب امام تكرار ذلك مع عرب آخرين. ولقد سبق لمؤتمر القمة العربي الذي انعقد في القاهرة عام 2000 ان طالب باجراء محاكمة دولية لعدد من القادة والضباط الاسرائيليين بتهمة ارتكاب مجازر، فقد حان الوقت لتفعيل هذا القرار والبدء بإجراءات المحاكمة فوراً ودون ابطاء.