انتقل الانحياز الأمريكي السافر من ارهاب الأقوال الى ارهاب الأفعال، وفي ذلك برهان على التأييد المطلق من جانب الولايات المتحدة لكل الجرائم الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني. ومن يتابع تصريحات وتحركات وزير الخارجية الامريكي كولن باول فسوف يخرج بالنتيجة نفسها. منذ وصول الوزير الأمريكي أبدى تفهمه لما تقوم به اسرائيل وتأييده لاحتياجاتها الأمنية ولان هذه التصريحات مرت دون رد فعل عربي رسمي، فإن كولن باول تمادى في الغي وانتقل الى مرحلة جديدة في ممارسة الارهاب الامريكي ضد العرب. اتجه باول الى الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، تلك الحدود التي تشهد بطولات رجال المقاومة اللبنانية. اولئك الرجال الذين يدافعون عن ارض لبنانية لا تزال تحتلها اسرائيل. وخلال زيارته توعد المقاومة اللبنانية ممثلة في حزب الله بأن اسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي بعد أن وصف ما تقوم به المقاومة بأعمال العدوان. كما وجه تحذيرات الى سوريا وايران لكبح حزب الله. ولم ينس ـ في اطار الدعم الأمريكي المطلق لاسرائيل ـ ان يزور موقع العملية الاستشهادية بالقدس والتي قامت بها المجاهدة نضال ضراغمة بنت مخيم جنين، وتابع عملية نقل الجرحى الصهاينة ثم تحدث مديناً هذه العملية ومعتبراً اياها عملاً ارهابياً. وزاد على ذلك بأنه سوف يؤجل لقاءه مع الرئيس الفلسطيني المحاصر في رام الله داعياً اياه الى ادانة هذه العمليات. ولو كان باول منصفاً في هذا الموقف لطالب شارون بالكف عن المجازر التي يرتكبها ضد المدنيين الفلسطينيين فهذه العملية الاستشهادية وغيرها ما هي الا رد على هذه المجازر الصهيونية.ولكنه لم يفعل ذلك ـ عن عمد ـ وتبجح بالادانة. لقد بدا المشهد الأمريكي في اسرائيل وامريكا أشبه بالصفعات المتتالية للعرب على يد باول ثم المتحدث باسم البيت الأبيض ووصولاً الى الرئيس الأمريكي، فكلهم ادانوا العملية الاستشهادية، وكلهم اعتبروها «ارهاباً» فور حدوثها بينما لم يتفوه اي منهم بكلمة ادانة او قلق او استنكار او شجب لما تقوم به اسرائيل.. فأي بجاحة أمريكية هذه التي يقذفوننا بها منذ قدوم وزيرهم الى اسرائيل؟ وأين هم وزراء الخارجية العرب الذين التزموا الصمت الكامل والمخزي امام تصريحات هذا الوزير الأمريكي؟ أليس وزراؤنا مثله يشغلون منصباً مثل منصبه ولهم مهام مثل مهامه؟ لماذا لا يتحدثون ولا يردونه او يردعونه؟ لقد كان حرياً بهذا الامريكي لو كان حريصا على نجاح مهمته ان يستجيب لنداء الرئيس الفلسطيني ويزور مخيم جنين ليقف على حجم المجازر الصهيونية ضد ابناء المخيم وحقيقة المعاناة الانسانية فإذا كانت العملية الاستشهادية في القدس قد قتلت ستة صهاينة فإن اسرائيل قتلت المئات في جنين.. لكن باول لم يفعل ورفض زيارة المخيم ودلالة ذلك لا تحتاج الى تفسير. اننا نتساءل لماذا جاء باول الى المنطقة؟ ولماذا استقبله وزراء وحكام عرب؟ واين هي الضغوط العربية الرسمية التي قال بعضهم انهم يمارسونها على واشنطن؟ الاجابة عن هذه الأسئلة هي ان واشنطن لا تقيم وزناً للعرب. ثلاثمئة مليون عربي لا مكانة لهم في حسابات واشنطن السياسية. والدليل ما يحدث في فلسطين وما خرج من أفواه المسئولين الأمريكيين خلال اليومين الماضيين. ولو كان الامر غير ذلك لكانت أقوال الوزير الأمريكي وأفعاله مختلفة، ولكنه وجد الساحة خالية من المواقف الرسمية العربية فتمادى في غيه وصلفه. ووصل هذا الصلف قمته ـ حتى الآن ـ بالضغط على الرئيس عرفات بمطالبته بأن يدين العمليات الاستشهادية ـ من مقره المحاصر ـ كشرط للقائه. وكان اجدر بهذا الوزير الامريكي ان يدعو لفك الحصار عن عرفات فهو رئيس منتخب من الشعب الفلسطيني، وفق اتفاقية دولية وقعت بضمانة أمريكية. وهو ما يعني ان اتفاقات أوسلو أصبحت أمريكياً في حكم المنتهية ولكن باول لم يتفوه بكلمة ازاء هذا الوضع وراح يضغط ويتهم الرئيس المحاصر، الى جانب المراوغة في اتمام اللقاء. وكان لأمريكا ما أرادت فقد اضطر الرئيس الفلسطيني والسلطة الفلسطينية تحت الضغوط العربية والأمريكية ان يدين امس العمليات الاستشهادية عبر ادانته كل أعمال العنف التي تطال المدنيين عموماً سواء كانوا فلسطينيين او اسرائيليين. وعلى الرغم من هذا التنازل الفلسطيني ـ المفهومة أسبابه ـ الا ان الابتزاز الصهيوني والامريكي لم يتوقف، اذ رفضت حكومة الصهيوني السفاح شارون هذه الادانة، وكأنها تريد من الفلسطينيين تأييد مجازر الجيش الاسرائيلي في نابلس وطولكرم ورام الله وبيت لحم والخليل وجنين التي تحول مخيمها الى حمام دم. وعزفاً على نفس النغمة تمنعت أمريكا عن قبول هذه الادانة من جانب السلطة الفلسطينية ورئيسها المحاصر، وتعللت بأنها ستدرس الأمر أولاً ثم تبدي رأيها.. اي دراسة هذه ورصاص الصهاينة يحصد أرواح الفلسطينيين المدنيين الأبرياء.. اي عقلية هذه تلك التي تتحكم في واشنطن، بل من يتحكم في مقاليد الامور بواشنطن: بوش أم شارون؟ لقد تعرى الموقف الامريكي ـ عربياً ـ تماماً، ولم يعد بمقدور اي عربي ان يتغاضى عن هذه القذارة في المسلك والسياسات الامريكية، ولم يعد بيننا من ينخدع بالتصريحات الأمريكية المراوغة؟ فماذا بقي لدى واشنطن غير اعلان العداء الكامل والصريح للعرب.