نأمل أن تكون الأوهام العربية تجاه جولة كولن باول قد تبددت بفعل التصريحات التي أدلى بها أمس في مؤتمره الصحفي مع شارون، فالوزير باول اعاد الموقف الأمريكي الى نقطة الصفر التي كانت مع بداية الاجتياح الاسرائيلي للمدن الفلسطينية. ذلك الموقف الذي كان ينطلق من تفهم أهداف المجازر الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وتفهم «الاحتياجات الأمنية الاسرائيلية». وهذا ما سبق ونطق به مرارا الرئيس الأمريكي دبليو بوش. وأمام تصاعد موجات الغضب الشعبي العربي، وما قيل عن الضغوط العربية الرسمية على واشنطن تراجع الرئيس الأمريكي وبدأ يغير موقف بلاده بدعوته اسرائيل الى الانسحاب من المدن الفلسطينية في «أسرع وقت» ثم «فوراً» ثم «الآن». وعلى نفس المنوال كانت تصريحات باول واستمر ذلك حتى صباح أمس. فلم يطالب الوزير الأمريكي اسرائيل بالانسحاب وانما اكتفى بتفهمه لما تقوم به اسرائيل! هذه التصريحات تعني في مجملها تأييداً أمريكياً كاملاً لما تقوم به اسرائيل من مذابح ضد الشعب الفلسطيني، والا كيف نفهم هذه التصريحات الأمريكية، فيما تسحق دبابات الجيش الاسرائيلي عظام الفلسطينيين، وتدك طائراته مدنهم؟! ان تصريحات الوزير تعني موافقة أمريكية مطلقة على مضي اسرائيل في تنفيذ مخططاتها، وانه لا عجلة ولا ضرورة في الانسحاب ووقف العمليات. وهو الوهم الذي لوحت به الولايات المتحدة للعرب بأن جولة باول تهدف الى تحقيقه، بل ان البعض روج لوجود خلافات قوية بين واشنطن وتل أبيب بشأن ضرورة الانسحاب من المدن الفلسطينية. لقد أطلق باول تصريحه أمس في تل أبيب بعد ديباجة مختصرة قال فيها شارون ان اسرائيل تقوم بحملتها في اطار «الحرب الأمريكية ضد الارهاب» وانه يرحب بالسيد كولن باول في القدس الموحدة كعاصمة لاسرائيل، فما كان من الوزير الأمريكي الا قال مبتسما انه يتحدث كصديق مقرب لاسرائيل، ثم أطلق تصريحه مما يعني أن المخطط الأمريكي قارب مداه بالتناغم مع المخطط الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه القدس، مسقطا بذلك ما يقال حول القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة، بل ومسقطا ما جاء باتفاقيات أوسلو. وهنا يأتي السؤال: اذا كانت الولايات المتحدة توافق على ما ترتكبه اسرائيل من مجازر ضد الفلسطينيين وتوافق على طي ملف القدس اسرائيليا اذا كان الأمر كذلك، فماذا بقي لدى أمريكا لتقدمه للعرب؟ وماذا ينتظر العرب ليس فقط من جولة باول، فهي محكوم عليها بالفشل، ولكن ماذا ينتظرون من السياسة الأمريكية عموما؟ ان المؤامرة واضحة بلا غموض. لقد جاء كولن باول ليس لاجبار اسرائيل على مغادرة المدن الفلسطينية.، وانما للقيام بحملة علاقات عامة يهدف من ورائها تمرير المؤامرة وإلباسها ثوباً أمريكياً في اشارة حمراء الى العرب، وفي اشارة خضراء لاسرائيل كي تواصل المزيد من التدمير والمزيد من القتل، بل واحراق الأرض الفلسطينية بسكانها، وهدم مدن الضفة فوق رؤوس الفلسطينيين والعرب أجمعين. والا كيف نفسر الإدانة الأمريكية الفورية على لسان بوش للعملية الاستشهادية التي تمت أمس في القدس ثم الصمت المطبق حيال مجازر اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني؟! ان المخطط الأمريكي يتناغم مع الأهداف الاسرائيلية ويلتقي معها عبر اعادة الضفة الغربية الى وضع ما قبل اوسلو والاكتفاء بدولة غزة.. دولة محدودة منزوعة السلاح. فما قالته واشنطن حتى الآن عن الدولة الفلسطينية مجرد أقوال غير محددة حول جغرافية هذه الدولة وحدودها وطبيعتها. لقد كان حس الجماهير العربية ـ منذ بداية المجازر الصهيونية ـ أكثر وعياً من بعض قادتها تجاه جولة باول. فالخبرة العربية المتراكمة على مدار السنوات والعقود الماضية ادركت أن جولة وزير الخارجية الامريكي تذكرنا بجولات هنري كيسنجر بعد حرب اكتوبر 1973 وجولات المبعوث الأمريكي فيليب حبيب ابان الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982. فكل هذه الجولات كانت تصب في صالح اسرائيل، وتمارس لعبة التسويف مع العرب، بل وتهدف الى تمزيق تضامنهم وهو ما يجري الآن. وفي مواجهة كل ما يجري يجب علينا كعرب ليس فقط العمل على مواجهة المخطط الأمريكي وافساده بل وضربه في مقتل، وانما البحث عن سبل جديدة لدعم المقاومة الفلسطينية بالمال والدم والسلاح. بل يجب اعتناق منهج المقاومة وتعميمه عربيا، فلغة المقاومة هي اللغة الوحيدة التي تفهمها اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. فالقوة لا تواجه الا بالقوة، والرصاص يرد عليه بالرصاص، ولا يقهر الدبابة سوى المدفع، ولا يسقط الطائرة سوى الصاروخ. أما نداءات الشجب والادانة العربية التي ترد من هنا أو هناك فلا تقيم لها واشنطن أو تل أبيب وزنا، فالتوسل أو التسول لا يحرران أرضا ولا يقهران عدوا. «البيان»