سوف تبقى جنين انموذجاً حياً لقضية لن تموت ابداً، ما أروعها من ملحمة بطولية، خاضها المقاتلون الفلسطينيون لأيام تجاوزت عدد أيام بعض الحروب العربية مع اسرائيل! صمد المقاتلون ولم يلقوا بسلاحهم حتى آخر طلقة في بنادقهم الكلاشنكوف، تسلحوا بسلاح الايمان والصبر، وصدوا أعتى قوة عسكرية لم تدّخر سلاحاً إلا واستخدمته! حوصر المخيم بأعداد من الدبابات زاد عددها على الأربعمئة.. سلاح الطيران يقصف ليل نهار، ولم يشهد التاريخ همجية ولا بربرية أشنع من ذلك. لقد مسح اليهود جنين من على وجه الأرض ودفنوا الأحياء تحت الأنقاض، ويا لها من هجمة وحشية بربرية، كل ذلك يحدث أمام أنظار العالم وبصره. امريكا راعية عملية «الارهاب» الدولي تساند وتؤيد وتبارك كل خطوة يخطوها شارون وزمرته! لقد وقف المدافعون عن المخيم رافعي الرأس حتى نفدت الذخيرة.. لم يستسلموا ولم يهنوا. لقنوا العدو حتى اليوم الأخير من الصمود درساً سيظل شارون وقادته يذكرونه بكل حسرة، إنها الارادة القوية والمستعينة بالله. لقد اثبتوا للعالم ان الجيش الاسرائيلي.. جيش يهزم وهو مهزوم على الدوام، فهم لا يحاربون إلا في دبابة أو طائرة أو من وراء ستار! والآن نسأل انفسنا نحن العرب ماذا قدمنا لاولئك النفر من الشباب الذين أثبتوا للعالم انهم اصحاب حق واصحاب قضية يدافعون عنها، حتى آخر رصاصة وحتى آخر نقطة دم؟! وانهم لم ولن يستسلموا أبداً. كما نتساءل وكثير منا يقول: ـ هل حقق شارون طموحه وأشبع نزواته في القتل والارهاب والتنكيل والتدمير؟ ـ هل أنجز شارون الجزء الأكبر من مهمته وفق السيناريو المعد سلفاً والمبارك أمريكياً؟ ـ من يقرأ خطاب شارون أمام الكنيست الاسبوع الماضي يدرك أن شارون لا تحده حدود. ولا يشبع نزواته إلا استمرار مناظر الخراب والدمار.. ولا يملأ عينه إلا التراب. فشارون تبجح وقال: ـ «جنون قاتل استولى على جيراننا الفلسطينيين، يريدون اجتثاث الأمل في السلام، والمستقبل والحياة الطبيعية. ليس هذا من قبيل الصدفة، لعصابة القتل يوجد زعيم وله هدف. هنالك يد موجهة ومرسلة. الهدف هو واحد: إبعادنا من كل مكان هنا. من المنزل في «آلون موريه»، من المطعم في حيفا، من الكنيس في «نتسريم». لكل هؤلاء يوجد مرسل واحد، رئيس السلطة الفلسطينية، ياسر عرفات. وهو الشخص الذي التزم بمنع الارهاب، ونكث كل تعهداته». ـ «ها هم قتلانا مستلقين في سرب طويل، نساءً واطفالاً، شباباً وشيباً، ونحن نقف امام الفراغ الذي تركوه بعد أن قتلوا بدون كلمات، التخوف الذي كان في البداية، صار واقعاً ثابتاً الآن. إذا كانت الولايات المتحدة قد استمعت إلى خطاب هذا السفاح، وبررت له جرائمه قبل هذا الخطاب وبعده. وزعمت ـ زوراً ـ بأن ما يقوم به الجيش الاسرائيلي من مجازر هو دفاع عن النفس، فبماذا ترد اليوم بعد المذابح التي جرت في جنين؟! فالصهاينة لم يكتفوا باجتياح المخيم وهدم منازله وإنما راحوا يقتلون من فيه من المدنيين ومن المدافعين عن حقوقهم، واحضروا الجرافات لهدم المخيم حتى يخفوا ملامح جريمتهم. إن صيحات النساء ومشاهد المخيم على شاشات التلفزيون أمس تفضح حجم هذه المجزرة الشنيعة وتلقم الولايات المتحدة حجراً لأنها هي التي شجعت شارون على المضي في جرائمه ومذابحه. بل إنها تعمدت إبطاء تحركاتها عبر متاهات جولة كولن باول الذي يأتي إلى المنطقة بعد أن حققت اسرائيل معظم أهدافها ومن ثم فإن على العرب الكف عن تصديق التصريحات الامريكية، والتحرك فوراً ـ على الأقل ـ لتقديم شارون إلى المحاكمة الدولية وكذلك التصدي للألاعيب الامريكية.