المذبحة الهمجية التي نفّذها جنود شارون في مُخيم جنين قد لا تضيف جديداً الى تاريخ الاحتلال الاسرائيلي اذ تأتي على نمط «دير ياسين»، «كفر قاسم»، «صبرا وشاتيلا»، و«قانا»، وكلها بضع من محطات سوداء توغل فيها الاحتلال في ممارسات المذابح الجماعية. على نقيض ذلك ينهض مخيم جنين ـ حتى بعد تسويته بالأرض ـ شاهداً على صمود المقاومة الفلسطينية الباسلة أمام ماكينة الحرب الاسرائيلية المدمرة. ففي اليوم التاسع لبقائه عصياً على الاستسلام أو الاقتحام لم يجد شارون بداً من ارتكاب مجزرة همجية لتصفية كل من ظل على قيد الحياة داخل المخيم مستخدماً كافة أنواع الأسلحة المتاحة لديه. وفي محاولة كاذبة للهروب من التاريخ عمد شارون الى نسف المنازل وتسوية المخيم بالأرض في ظل تعتيم اعلامي مطبق، الغاية منه استكمال الجريمة من وراء ظهر العالم. الجريمة نكراء غير انها ليست مستغربة من دولة الاحتلال المتخمة بكافة ممارسات الفصل العنصري بما في ذلك الطرد والقتل الجماعي. الجديد في مذبحة جنين هو هذا التواطؤ الأمريكي الذي أتاح لشارون كل هذا التوغل في دم الشعب الفلسطيني وأرضه وبنى سلطته الوطنية واشعال النار فيها كلها. فليس ثمة مبرر لاستيعاب التلكؤ الذي يمارسه الجنرال كولن باول في الوصول الى النقطة الساخنة على مسرح جولته الحالية سوى منح شارون ما يكفيه من الحيز الزماني لاستكمال مخططه الدامي وتصفية مخيم جنين على هذا النحو الاجرامي البشع. كما ان الوزير الأمريكي يدرك ان وصوله الى مسرح العمليات سيرغم شارون على كسر طوق التعتيم الاعلامي الذي فرضه على جنين، فالجنرال باول لم يكتف بتمهيد المسرح وانما عمد الى المناورة خلف الكواليس ـ من الرباط الى مدريد عبر القاهرة ـ مفسحاً مزيداً من الوقت للجنرال شارون حتى يكنس آثار جريمته ويغسل يديه من الدم الفلسطيني. وليس هناك مبرر يحملنا الى اعتقاد مضاد للتواطؤ ونحن نرى شارون يرتكب مذبحته الجديدة في جنين بعد اعلان رئيس الدولة القابضة على شئون البلاد والعباد وهو يجأر طالباً من رئيس الكيان الاسرائيلي «انسحاباً دون ابطاء» ثم يدخل البيت الأبيض بأسره في غيبوبة يفقد معها الجرأة على رد الفعل الملائم ليس لرفض رئيس وزراء دويلة الاحتلال الانصياع لرغبة رئيس الدولة الأعظم، خاصة وانه حرص على ارفاق أمره بالانسحاب الفوري بتوضيح يقول فيه «وأنا أعني ما أقول» لكن غيبوبة البيت الأبيض أفقدته كذلك التعليق على أبشع مذبحة جماعية يرتكبها جزار على عتبة القرن الجديد. ليس ثمة دليل يحملنا الى الاعتقاد بأن شارون يرفض الانصياع للرئيس الأمريكي من منطلق التمرد عليه فتلك فرضية لا تستقيم مع المنطق. الأقرب الى الازدراد رغم مرارته ان شارون كان يفهم لغة غير التي يخاطبه بها بوش أمام عيون العالم. مما يعزز هذا الفهم مناورة باول على هامش المنطقة الساخنة 4 أيام في مشاورات ليس من طبعها اطفاء الحريق أو وقف عمليات الذبح الجماعي التي يمارسها جنود مدججون بالأسلحة الحديثة المتطورة ضد مقاومين عزل أو نفدت ذخيرتهم. كتب عمر العمر: