مثل اسطورة طائر الفينيق الذي ينهض من تحت الرماد قدمت المقاومة الفلسطينية الباسلة أمس درساً عملياً يؤكد انتصار الارادة والعزيمة الفولاذية، على أعتى آلات الحرب، وقلب موازين القوى، ففي اليوم الثامن للعدوان الوحشي على مخيم جنين الذي تحول الى ركام أوقعت المقاومة جنود الاحتلال الاسرائيلي في كمين وقتلت 13 منهم ما بين ضابط وجندي وأسرت عدداً آخر. فيما يخوض المقاومون معارك باسلة بالأسلحة البيضاء والبنادق دفاعاً عن المخيم الذي شهد قتالا من بيت الى بيت، كما اسقطت المقاومة خمسة قتلى من جنود الاحتلال وضباطه في نابلس والخليل اللتين تعرضتا مع قرى بيت لحم ورام الله وغزة لتوغلات واجتياحات. وفيما يبدو أنه رد على خسائر الاحتلال ليوم امس اطلق الارهابي ارييل شارون طائرات اف 16 لقصف البلدة القديمة في نابلس، وانهاء المقاومة فيها. سياسياً، وفي تراجع عن حملة التشكيك الأمريكية بشرعية الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أعلن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أن بلاده ما زالت تعترف به رئيسا منتخبا للشعب الفلسطيني. وحسم باول الجدل حول لقائه بعرفات قائلاً انه سيلتقيه الجمعة في رام الله. وأن واشنطن مستعدة لإرسال مراقبين في حالة توصل إلى وقف لاطلاق النار. فقد أكد احد القادة الميدانيين للمقاومة ان المقاتلين المدافعين عن جنين اوقعوا جنودا اسرائيليين في حقل للالغام داخل المخيم ضمن كمين، وشنوا هجوما مضادا اسفر عن قتل 13 اسرائيليا من مختلف الرتب العسكرية، فضلا عن عشرات المصابين. وهو ما اعترفت به اسرائيل. واحتجز المقاتلون العشرات من الجنود الاسرائيليين اسرى في احد المنازل، مما اجبر القيادة العسكرية الاسرائيلية على طلب وقف اطلاق النار، الامر الذي رفضته المقاومة حسب جمال ابو الهيجا احد قادة حماس في جنين الذي قال ان مسئول المقاومة في المخيم رفض الطلب الاسرائيلي. واضاف مسئول بالمخيم «كان ردنا ان هناك شخصا واحدا يمكنه البت في ذلك وهو الرئيس ياسر عرفات» الذي يحاصره الجيش الاسرائيلي في مقره بمدينة رام الله بالضفة الغربية. وأكد بأن اسرائيل تحاول هدم المخيم على من فيه بخطى متسارعة لا سيما وان قصف المروحيات العسكرية مستمر دون انقطاع. وجاء الرفض الفلسطيني ردا على منع الجيش الاسرائيلي اخلاء الجرحى الفلسطينيين من المخيم ومن مناطق اخرى تتعرض للعدوان. وقال ابو الهيجا «بعد هذه الايام من الصمود والمقاومة النادرة يكرس المجاهدون في جنين مقولتهم وشعارهم ان لا استسلام بل نصر او شهادة». واضاف «قوتنا في اننا مجاهدون حقيقيون امام النازيين الجدد». كما أعلن رياض العريضة احد القادة الميدانيين في المخيم ان المقاومين اسروا عددا من جنود العدو رافضا تحديد عددهم. وقال في اتصال هاتفي مع قناة «المستقبل» اللبنانية ان جيش الاحتلال باشر اتصالات عبر الصليب الاحمر للافراج عنهم غير ان المقاتلين ردوا بأن أي مفاوضات يجب ان تجرى مع الرئيس عرفات. وواصل الجيش الاسرائيلي تدمير منازل في المخيم لشق طرق لدباباته وتشير تقارير محلية الى ان اكثر من 150 فلسطينيا استشهدوا وان الجثث ملقاة في الشوارع والأزقة». واعلن احد سكان مخيم جنين لوكالة فرانس برس ان حوالى مئة فلسطيني من الرجال والنساء والاطفال كانوا عالقين في مبنى يتعرض لقصف من الدبابات والمروحيات الاسرائيلية في المخيم. وقال ابو حسين احد سكان المخيم الذي يعيش على بعد مئة متر من المبنى عبر الهاتف ان «حوالى مئة فلسطيني محاصرون تحت النيران منذ اكثر من اربع ساعات ولقد حاولنا التحدث مع الجيش لكنهم اطلقوا النار فوقنا». وقال الارهابي شارون تعليقا على خسائر جيشه انه «يوم صعب» مؤكدا في الوقت نفسه استمرار العدوان الذي كرر وصفه بأنه «معركة من اجل بقاء اسرائيل». ومن جهة اخرى قالت مصادر فلسطينية ان قوات الاحتلال تلجأ للخداع والتمويه لاصطياد المقاتلين وذلك عن طريق اعلانها الانسحاب من بلدات ما ثم تعود لاحتلالها كوسيلة للايقاع بالمقاتلين الفلسطينيين كما فعلت فى «يطا وقراوة بنى زيد».. وكانت القوات الاسرائيلية اعلنت انسحابها من قرية قراوة بنى زيد برام الله ثم عادت واحتلتها بعد ساعة وفرضت عليها مجددا فرض حظر التجول. وخلافا للانسحاب التلفزيوني من طولكرم وقلقيلية اجتاحت قوات الاحتلال قرية «دورا» في الخليل وقتل ضابط واصيب جندي بأيدي المقاومة وبيت ريما برام الله حيث اصيب خمسة جنود في انقلاب مدرعة حسب الناطق الاسرائيلي فيما افشل حرس الرئيس الفلسطيني محاولة اقتحام جنود اسرائيليين لمكتب ياسر عرفات حسبما اعلن نبيل ابو ردينة المستشار الاعلامي لعرفات. وفي نابلس ورغم الاعلان الاسرائيلي عن السيطرة على البلدة القديمة في المدينة لا تزال المقاومة تخوض معارك ضارية مع جنود الاحتلال الذين قتلت منهم 3 وجرحت سبعة اخرين فيما قتل ضابط برصاص اسرائيلي حسب مسئول عسكري اسرائيلي. وأكدت مصادر فلسطينية ان البلدة القديمة وخصوصا حي الياسمينة في المدينة مازالت تقاوم بعكس ما اشاع جيش الاحتلال الذي لجأ الليلة الماضية لاستخدام طائرات اف 16 في قصف المكان. ولم تعرف على الفور نتائج هذا القصف. وتوغلت القوات الاسرائيلية في غزة ورفح واطلقت النيران على المزارعين في بيت لاهيا وقامت بتجريف المزارع فيما حذر نبيل شعث وزير التخطيط الفلسطيني من اجتياح شامل للقطاع خلال ساعات. وفي رام الله نفذ الجيش الاسرائيلي عملية انزال جوي واجتاح قرى دير صلاح والشوا، وأحكم الحصار وعزز القناصة حول كنيسة المهد داعيا بمكبرات الصوت 200 فلسطيني و30 راهبا محاصرين للاستسلام. سياسياً، وفي اعقاب محادثات مع الرئيس المصري حسني مبارك في محطته الثانية اعلن باول انه يعتزم لقاء عرفات. وفي تطور مفاجئ أعلن باول ان الادارة الأمريكية تعترف بأن عرفات هو الممثل الرسمي للسلطة الفلسطينية والرئيس المنتخب من الشعب الفلسطيني. وردا على سؤال حول ما اذا كانت هناك فكرة لاستبدال عرفات كما تقول اسرائيل قال باول ان الشعب الفلسطيني يرى عرفات كرئيس له وقد قام بانتخابه والرأي للشعب الفلسطيني بأن يختار الرئيس فقد تم انتخابه من قبل الشعب الفلسطيني كرئيس له وكقائد للشعب الفلسطيني وانه لدى الرئيس عرفات الكثير من الالتزامات واتمنى أن أجد فرصة للتحدث معه ومع مساعديه بشأن ما نتوقع ان نراه في المستقبل للتغلب على الموقف الحالي والعودة الى المناقشات والمفاوضات التي سوف تؤدي الى وقف اطلاق النار وتحقيق وضع أمني جيد. وقال باول خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره المصري احمد ماهر ردا على سؤال «سأطلب من جميع القادة العرب وجميع المسئولين الفلسطينيين ابلاغ شعوبهم وجميع الشعوب في العالم ان الوقت حان لوقف هذا النوع من الانشطة» في اشارة الى العمليات الاستشهادية. واضاف ان «الوقت مناسب لان هناك مسارا ينتظرنا وسيعطينا ما نطالب به» اي سلاما بين الفلسطينيين واسرائيل». وحول موقف الرئيس الأمريكي جورج بوش اوضح سكوت ماك ليلان احد المتحدثين باسم الرئيس بوش «ان الرئيس اعلم كافة الاطراف بوضوح ان عليهم مسئوليات ينبغي تحملها وانه ينتظر نتائج». وقال الناطق الموجود مع بوش في رحلة الى بريدجبورت «ان على اسرائيل ان تنسحب الان». وقال اري فلايشر المتحدث باسم البيت الابيض للصحفيين المرافقين لبوش في طائرة متجهة الى كونيتيكت «الرئيس يعتقد ان كل الاطراف عليها مسئولية ولا يزال ينتظر النتائج». واضاف ان مسئولية اسرائيل هي ان تنسحب من المناطق الفلسطينية «وتفعل ذلك الان» وان مسئولية العرب هي ان يدينوا الارهاب ويوقفوا تمويله ويوقفوا التحريض الاعلامي.