استمرت امس المسرحية الامريكية الهادفة إلى اعطاء الجيش الاسرائيلي المزيد من الوقت للاجهاز على الانتفاضة وتدمير أكبر قدر ممكن من البنية التحتية الفلسطينية، واوضحت مستشارة الامن القومي الامريكي، كوندوليزا رايس ان الرئيس الامريكي جورج بوش يريد فقط «بدء الانسحاب الآن» وان ذلك لا يعني اكماله فوراً وان الرئيس يتفهم انه لا يمكن ان يكون الانسحاب متعجلاً وفوضوياً!! وهو ما أكد عليه وزير الدفاع الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر حين اعلن ان واشنطن تتفهم استمرار العدوان لثمانية اسابيع رغم النداءات الصورية بالانسحاب والتي يبدو أن المقصود منها التمهيد لجولة وزير الخارجية الامريكي كولن باول للمنطقة خلال الساعات المقبلة والذي تعمد اضفاء الغموض على امكانية لقائه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ما يعني استمرار الضغوط كي يقبل عرفات الاملاءات الاسرائيلية الامريكية التي سربتها امس مصادر امريكية بتأكيد ان جولة باول تهدف في جوهرها الى اخماد الانتفاضة وتصفية المقاومة الفلسطينية تحت ستار انهاء الارهاب واحلال خطة بوش بديلاً لاتفاقيات اوسلو، بحيث يبدأ التفاوض على بدء الانسحاب الاسرائيلي لاحقاً. وخلف هذه المناورات الاسرائيلية والامريكية وسعت قوات الاحتلال أمس عدوانها الوحشي ليشمل القرى بعد استكمال اجتياح غالبية مدن الضفة الغربية باستثناء مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس التي دمر الاحتلال اقدم مساجدها حيث نجح المقاومون في صد كل الهجمات الاسرائيلية على مدى ستة أيام. وسقط خلال عمليات القصف الوحشي امس 21 شهيداً منهم خمسة تم اعدامهم بدم بارد. فقد وجه فريق السياسة الخارجية الامريكية امس رسالة الى اسرائيل مفادها ان واشنطن تتفهم ان الاسرائيليين «لا يستطيعون القيام بانسحاب فوري من المناطق الفلسطينية، ولكن يتعين عليهم ان يبدأوا الانسحاب». وقالت رايس في مقابلة مع شبكة تلفزيون «سي.ان.ان» امس «ولو انه «بوش» يتوقع بالفعل من اسرائيل ان تبدأ الانسحاب دون ابطاء فانه يتفهم انه «الانسحاب» لا يمكن ان يكون متعجلا وفوضويا. الا انه يتوقع ان يبدأ هذا الانسحاب». وجاءت الرسالة بعدما تجاهلت اسرائيل نداء امريكيا اليها بالانسحاب «دون ابطاء» من المدن الفلسطينية. ورد شارون بإنهاء العملية في اسرع وقت ممكن. وعندما قيل لها ان الاسرائيليين لا يفسرون عبارة «دون ابطاء» على انها تعني انه يتعين عليهم الانسحاب فورا ردت رايس قائلة ان الرسالة واضحة ومفادها «حان الوقت لبدء الانسحاب ولتغيير ديناميكيات الوضع لان اسس السلام هنا في خطر الى حد ما». وفي مقابلة اخرى مع شبكة تلفزيون «ايه.بي.سي» قالت رايس «تحدث الرئيس مع رئيس الوزراء شارون. استطيع ان ابلغكم انه ليس ثمة مجال للخطأ في فهم الرسالة في هذا الاتصال». وقال بوش لرئيس الوزراء الاسرائيلي ان على اسرائيل الانسحاب «دون ابطاء» محذرا ان نجاح مهمة السلام الامريكية في الميزان. وقالت رايس في لقاء ثالث مع شبكة تلفزيون «سي.بي.اس» ان الولايات المتحدة تتفهم ان تعبئة عسكرية من هذا النوع لا يمكن فضها في لحظات. واضافت «النقطة المهمة هي البدء الان. بدون ابطاء. ليس غدا . وليس عندما يصل الوزير باول للمنطقة. بل الان». وقال مسئول بارز في ادارة بوش موضحا تصريحات رايس ان الرسالة مفادها انه « يتعين عليكم «الاسرائيليين » بدء انسحابكم الان». واضاف «لكن الامر يتعلق بفكرة انه مع عملية عسكرية من هذا الحجم فانك لا تضغط زرا ببساطة فيخرج الجميع في ست ساعات. الامور لا تسير على هذا النحو. يتعين ان يتم الامر بأمان وبصورة منظمة. هذا هو ما تتحدث عنه» رايس. وفضح الاسرائيليون تمثيلية النداءات الامريكية بالانسحاب حين وزير الدفاع الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر خلال اجتماع للحكومة امس بأن البيت الابيض متفهم لضرورة استمرار العدوان لثمانية اسابيع أخرى رغم نداءات الانسحاب الصوري. وقال في تصريحات منفصلة لشبكة «اي.بي.سي» الامريكية ان بوش لا يطلب انسحاباً فورياً زاعماً ان العملية العسكرية الاسرائيلية تحتاج وقتاً. اما شارون فقال مبررا استمرار الهجوم ان «اسرائيل وصلت الى نقطة اللاعودة لان ياسر عرفات والسلطة الفلسطينية ليس لديهما اي نية لاحترام اي اتفاق كان». وشدد قائد السلاح الجوي الاسرائيلي الجنرال دان هالوتس على ان «القوات المسلحة في حاجة الى المزيد من الوقت» مذكرا بأن قائد الاركان اكد على ضرورة استمرار الحملة ثمانية اسابيع، وهو ما ابلغه وزير الدفاع بنيامين بن اليعازر للحكومة امس. وزعم شارون خلال كلمته امام مجلس الوزراء الاسرائيلى امس ان سياسة اسرائيل التى تقضى بعدم المس بالمواطنين الفلسطينيين هى التى أدت الى تمديد مدة تنفيذ العملية. معتبراً ان العدوان «معركة مصيرية». وقال « ان هناك حاجة لاستمرار العملية لان القوات الاسرائيلية تعمل فى مناطق مكتظة جدا ومليئة بنشطاء مسلحين». كما اعلن رئيس الاركان الاسرائيلي الجنرال شاؤول موفاز امس ان العدوان يجب ان يستمر أربعة اسابيع اضافية على الاقل لتحقيق اهدافه. وقال موفاز في ختام اجتماع للجنة الشئون الخارجية والدفاع في الكنيست «نحتاج الى اربعة اسابيع على الاقل ابتداء من انطلاق العملية (في التاسع والعشرين من الشهر الماضي) وسيكون من الافضل ان نحصل على اربعة اسابيع اضافية لمرحلة ثانية». ولم يوضح موفاز ماهية المرحلة الثانية من العمليات العسكرية. واكتفى بالقول انه في ختام العدوان «سينتشر الجيش الاسرائيلي بشكل مختلف» الامر الذي يعني الابقاء على مواقع في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني. وتابع المسئول العسكري الاسرائيلي «هناك شيء اكيد، لقد وصلنا الى نقطة لا عودة ولن نعود الى الوضع الذي كان سائدا قبل العملية». وحول جولة باول ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز »الوثيقة الصلة بالادارة الامريكية تحت عنوان «التحرك لتجاوز حرب الشرق الاوسط» ان باول سيحاول خلال جولته تسويق خطة بوش لانهاء ما وصفته بـ «الارهاب» الفلسطيني المتمثل في المقاومة والانتفاضة، تمهيداً لبدء مفاوضات تتزامن مع تجميد المستوطنات وانهاء الانسحاب الاسرائيلي من الضفة الغربية المحتلة منذ 35 عاماً. واضافت ان باول سيسعى لاقناع القادة العرب باعلان تنديدهم بالعمليات الاستشهادية ودعمهم لوقف الانتفاضة، مقابل الوعد ببدء مفاوضات تسمح بقيام دولة فلسطينية. من جانبه اعلن باول انه سيحاول التحدث مع عرفات. وقال باول ردا على سؤال حول احتمال التقائه عرفات في حديث لشبكة «فوكس» التلفزيونية «سأحاول التحدث اليه اذا ما سنحت الظروف وانا هناك». وتابع «هناك مشكلات امنية، مشكلات تنقل وجدول اعمال. سننتظر ونرى كيف تتطور الامور خلال الايام المقبلة»، مشيرا الى انه «سيتحدث الى الطرفين» . واعرب باول عن ارتياحه للرد الاسرائيلي وتصريح ارييل شارون رئيس الوزراء بأنه سيحاول وضع حد سريع لعدوانه. من جهة ثانية توقع راديو لندن امس ان يكون السيناريو الاسرائيلي هو استمرار العدوان بالتوازي مع انسحاب جزئي. ميدانيا قامت قوات الاحتلال بارتكاب مجزرة جديدة عندما جمعت خمسة مدنيين واعدمتهم بدم بارد امام ذويهم وهم: زكي شلبي (60 عاما) ونجله وضاح (37 عاما) أبو العبد السعدي (70 عاما)، عبدالكريم السعدي (38 عاما) واستشهد ثمانية في طوباس القريبة من جنين معظمهم من افراد قوات الأمن الوطني وهم: فادي أبو عودة، طارق درويش، سامي الجرادات من الأمن الوطني، إضافة الى محمود حامد، مصطفى شنيور، الهام داسوقي، عبد الفتاح أبو الرب، ومنير عيسى وشاحي. كما استشهد ثمانية في نابلس، حيث تدور معارك عنيفة في البلدة القديمة بالمدينة وقال الكولونيل أبيب كوخافي قائد لواء المظلات في اتصال هاتفي مع رويترز حول الوضع في مخيم جنين «تدور معارك مستمرة.. القتال مندلع في الطرقات ومن منزل الى منزل». واعترف مسئول عسكري اسرائيلي كبير بصلابة المقاومة في كل من مخيم جنين ونابلس وتوقع اقتحام المخيم خلال ساعات. ولجأت قوات الاحتلال للتقدم نحو البلدة القديمة في نابلس الى حرم مسجد الخضرة التاريخي. وقال شهود عيان ان قوات الاحتلال اقتحمت المسجد وانتهكت حرمته. ولم تكتف بذلك بل قامت بتدمير المكتبة وتمزيق عدد من المصاحف وكتب الفقه والسنة فيها. وقامت قوات الاحتلال بفتح فجوات كبيرة فى جدران المسجد. وذلك للوصول الى البلدة القديمة من المدينة. كما اجتاحت دبابات ومجنزرات اسرائيلية قرى بني زيد شمال غرب مدينة رام الله، تحت وابل من اطلاق النار وقذائف المدفعية. وقال شهود عيان إن ارتالا من الدبابات والمجنزرات شوهدت تتوغل في قرى دير غسانة وبيت ريما وقرى أخرى مجاورة، وفتحت النار باتجاه منازل المواطنين. وأفاد الشهود ان الجيش الإسرائيلي قام بعملية إنزال جوي من الطائرات في قرية قراوة بني زيد.