اذا كان شكل العقل والجسم البشريين يتحدد بباقة من الجينات، كما يبدو من النتائج الأولية لفك شيفرة الجينوم البشري، فان علماء التقنية الحيوية سيتمكنون ذات يوم من تغيير العقل والجسم على حد سواء، وربما سيصلون الى حد تغيير الطبيعة البشرية في غمار سعيهم لتهذيب الجسم البشري. ويرى الباحث والمفكر الشهير فرانسيس فوكوياما، ان هذا الاحتمال وارد، ويجب ان يكون باعثا على القلق بالنسبة لشريحة كبيرة من الناس، لأن السؤال المحوري التاريخي المتعلق بطبيعة المجتمع الذي يلبي احتياجات البشر بأفضل صورة، لا يستقر الا اذا بقيت الطبيعة البشرية على ما هي عليه بكل محاسنها وعيوبها ونواقصها. وبعد الضجة الكبيرة التي أحدثها فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ و الرجل الاخير» عام 1992، ها هو يخرج الآن على الجمهور بكتاب جديد بعنوان «مستقبل ما بعد الانسانية» سيستكشف فيه الطرق التي يمكن للتقنية الحيوية التي تغير بها جوهر الانسان. ويعتقد فوكوياما ان الخطر اعظم مما نتوقع، لأن العلماء وخبراء اخلاقيات علم الاحياء لا يمكن ائتمانهم، من وجهة نظره، عى اطلاق صافرة الانذار عند تجاوز الخطوط الحمراء. ويجادل فوكوياما بأن اهتمام العلماء ينصب في قهر الطبيعة في حين ان خبراء الاخلاق اصبحوا «مجرّد أشخاص سفسطائيين يبررون كل ما يريد المجتمع العلمي القيام به». واذا كانت تصورات فوكوياما ليست أكاديمية تماما، فان صوته يكتسب طابعا رسميا لكونه عضوا في مجلس تداول قضايا اخلاق علم الاحياء في البيت الابيض. ويعتقد فوكوياما ان الهندسة الوراثية للعرق البشري بمعنى ادخال تغييرات دائمة على الجينات في النطاف والبويضات، ستشكل أكبر خطر مباشر على الطبيعة البشرية. ويشير ايضا الى ان العقاقير التي تغير الحالة المزاجية قد تؤدي الى تغيير المجتمع باكمله اذا تم تعاطيها على نطاق واسع. ويتساءل فوكوياما في كتابه ما اذا كان نابليون او قيصر كانا سيشعران بالحاجة لفتح اوروبا لو اتيح لكل منهما ابتلاع حبة بروزاك بين الفينة والاخرى. ويحذر فوكوياما من أن العلم في غمار محاولته العبث بالجينوم البشري لتعزيز الذكاء أو الجسم البشري ربما يجعلنا «نخسر انسانيتنا». ويخطط الدكتور فوكوياما لتكريس السنوات القليلة المقبلة لدراسة كيف يجب تنظيم التقنية الحيوية خصوصا انه يعتبر ان اشراف ادارة الغذاء والدواء ومعاهد الصحة الوطنية غير كاف لكبح جماح بعض النزعات المتطرفة الرامية الى تفجير امكانيات هذا العالم الى أبعد حد من دون النظر للعواقب. فوكوياما.. البشرية تطل على آفاق بالغة الخطورة