كما أن اعتقال الزعيم لا يعني إسكات المقاومة وإبطال الاستشهاديين، فان شارون سيدرك حتما بعد فوات الأوان ان محاولة إذلال الرئيس لا تعني تغييب حلم الدولة وأن اغتيال القائد لا يعني موت القضية وان تصفية الرموز لا تعني اخماد الثورة. كثيرون مثل شارون يتمنون لعرفات نهاية عاجلة. ثمة أطراف غير اسرائيلية ترغب في ألا يخرج الرئيس الفلسطيني من بين ركام مقره سالماً. لكن رئيس الوزراء الاسرائيلي يواجه أكثر من غيره محنة مزدوجة تبدو أقسى من مأزق عرفات في محبسه. فشارون الذي أطلق العنان لحرب شرسة لا يزال عاجزاً عن تحقيق الهاجس الذي يتمكن منه وهو التخلص من عرفات سواء بقبره تحت أنقاض مقر رئاسته أو تصفيته جسدياً بالنار أو بطرده من رام الله إلى المجهول. كما ان شارون لم يعد قادراً كذلك على التراجع عن وحل الدم الذي خاض فيه ولم يعد أمامه ـ وفق حساباته ـ سوى التوغل أعمق في الوحل. إذا عمد أصدقاء شارون إلى انقاذه بمبادرة ما سيكتشف هذا السفاح المكتنز بالحقد ان عرفات مثل طائر الفينيق سينهض من تحت الرماد أكثر قوة وصلابة غير انه ليس من المستبعد أن يجرف السعار الدموي رئيس الوزراء الاسرائيلي تحت ضغط محنته الماثلة والآخذة في الاستحكام لجهة تصفية الرئيس الفلسطيني في سياق سيناريو يتوهم انه سيفرج الضائقة الضاغطة حوله. شارون الوالغ في دماء الأبرياء والعزل والمقاومين يدرك قبل غيره ان من يحمل اليه نبأ مصرع عرفات لن ينقل اليه بشارة لكن ما لا يدركه الجزار هو قوة شلال الغضب الفلسطيني الذي سيتفجر ولن تفلح الترسانة العسكرية الاسرائيلية في تطويقه واحتوائه، فمن المؤكد ان الشعب الفلسطيني لن يحتمل ولن يغفر اغتيال رمز نضاله وحادي مسيرته من إطلاق الثورة الى حلم الدولة. أكثر مرارة من ذلك سيكتشف شارون وحلفاؤه انه ما من وجه فلسطيني سيجرؤ على التقدم لملء فراغ عرفات من وراء ارادة شعبه ومن ثم فان الرهان على قيادة بديلة للفلسطينيين «متجاوبة» ليس سوى رهان خاسر فلم يعد هناك فلسطيني يقبل بتسوية دون الدولة المستقلة استناداً الى تضحيات نصف قرن ويزيد على نحو لم يقدمه شعب في التاريخ المعاصر. لنقل من منطلق التفاؤل ـ على الأقل ـ ان هذا الصمت العربي لن يستمر طويلاً فبؤر الرفض التي بدأت تتضح ـ على قلتها وحيائها ـ ستتسع وستنداح دائرة الغضب العربي ضد شارون أو لعله سيجنح هو تحت ضغط محنته إلى توسيع العداء العربي ضده. عندئذ سيدرك شارون قبل غيره ان نهايته بدأت يوم استهدف عرفات ـ فالادارة الأمريكية التي منحته ضوءاً أخضر لفعل فعلته التي فعل ستعمل تحت ضغط اقليمي دولي ـ بغض النظر عن حجم أي منهما ـ من أجل اقصاء البلدوزر الأحمق عن المسرح السياسي وإحلال وجه اسرائيلي بديل يتجمل بالتنصل من حماقات شارون فيبدي استعداداً للجلوس مع قيادة فلسطينية يختارها الفلسطينيون بملء ارادتهم الحرة. ليس بالضرورة التعويل على ضغط اقليمي أو دولي يجبر الادارة الأمريكية على التجاوب مع نداءات للسلام فمن المؤكد ان الكبرياء الفلسطيني وحده يكفي ضماناً لتحقيق حلم الدولة وإجبار الآخرين على احترامه.