شددت اسرائيل أمس من حصارها الخانق للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وعزلته وبعض مرافقيه داخل غرفتين فقط بمقر الرئاسة في رام الله بعد أن قطعت عنهم المياه والكهرباء والمواد الغذائية والاتصالات، ولم يعد هناك إلا باب واحد يفصل جنود الاحتلال عن الرئيس الفلسطيني الذي طالبته إسرائيل أمس بتوقيع وثيقة إسرائيلية يعلن فيها موافقته على كيفية تنفيذ خطة تينيت تكون أقرب الى أو بمثابة وثيقة استسلام. وبينما أقدمت قوات الاحتلال على إعدام 5 من رجال الشرطة الفلسطينية بدم بارد مفجرة رؤوسهم بصورة وحشية قامت باعتقال أكثر من 200 شخص في رام الله، وأوقفت بث بعض محطات الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية بعد الاستيلاء عليها، كما أعادت القوات الاسرائيلية احتلال بيت جالا بالكامل والتوغل في الخليل والضفة وكذلك رفح وبيت لاهيا في غزة كمقدمة لاحتلال كل الأراضي الفلسطينية خاصة بعد طلبها من الرعايا الأجانب مغادرة هذه الأراضي، وفي المقابل دعت حركة فتح القوى الاسلامية والوطنية الى تكثيف الضربات ضد الاحتلال. وفي تغطية صريحة للعدوان أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش وعقب اتصالاته مع بعض القادة العرب أنه يتفهم ضرورة قيام اسرائيل بالدفاع عن نفسها مطالباً عرفات بعمل المزيد لما اسماه بمكافحة الارهاب رغم أن اسرائيل انذرت عرفات خلال خطاب بوش بتسليم مرافقيه أو اقتحام مكتبه وتزامن ذلك مع قرار لمجلس الأمن دعا فيه اسرائيل الى الانسحاب من المدن الفلسطينية خاصة رام الله. وأكد الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير الخارجية القطري ان اسرائيل تسعى من وراء مهاجمتها لرام الله ومقر عرفات الضغط على السلطة الفلسطينية من اجل التوقيع على ورقة بخصوص بعض البنود التى اقترحها الجنرال انتونى زينى مبعوث السلام الامريكى. وأوضح فى تصريحات لقناة «الجزيرة» الفضائية امس ان خلال المكالمة التى اجراها الليلة قبل الماضية مع وزير الخارجية الاسرائيلى شيمون بيريز اتضح ان اسرائيل تريد انهاء ما تقوم به حاليا بتوقيع الرئيس الفلسطينى على مقترحات زينى والتى اضيفت الى اتفاقيات تينيت وتقرير ميتشيل. واكد بن جاسم ان هذا التوقيع الذي تطالب به اسرائيل هو توقيع سيتم تحت التهديد وبأسلوب غير منطقى مشيرا الى انه اكد لوزير الخارجية الاسرائيلى ان مايحدث فى رام الله والاراضى الفلسطينية المحتلة يبعد المنطقة عن السلام خاصة بعد مبادرة الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودى التى تبناها العالم العربى ككل. وأعلن احمد عبدالرحمن امين عام مجلس الوزراء الفلسطيني، ان جميع الاتصالات بين الرئيس عرفات والعالم الخارجي انقطعت، بعد ان قطع الاحتلال جميع الخطوط الهاتفية بما في ذلك هاتفه المحمول. واضاف ان الاحتلال قطع كذلك الكهرباء والماء عن مقر عرفات، مشيرا الى ان الرئيس ومرافقيه موجودون بغرفتين فقط من مجمع الرئاسة. لكن محمد دحلان رئيس جهاز الامن الوقائي بغزة والمحاصر مع عرفات اكد ان عرفات بخير ومعنوياته عالية ويواصل عمله كالمعتاد وبصحة جيدة. وقال معاونون ان باباً واحداً يفصل الجنود الاسرائيليين عن المكتب الخاص لعرفات بعد ليلة من القصف المستمر واطلاق النار حول مقره. واضافوا ان عرفات قضى الليل في ظلام حالك بعد ان قطعت القوات الاسرائيلية التي تحاصر مقره في الضفة الغربية الكهرباء وخطوط الهاتف وان الاوضاع هناك تزداد تدهورا. وتابعوا ان القوات الاسرائيلية تشدد تدريجيا من حصارها على عرفات ومساعديه. وبقي عرفات المعتاد على هذه الظروف في سياق عمله كقائد لمنظمة التحرير على تحديه وأبقى على روحه المعنوية المرتفعة. وقال توفيق الطيراوي رئيس المخابرات الفلسطينية في الضفة الغربية ان القوات الخاصة الاسرائيلية اقتربت اكثر من مكتب عرفات الخاص بعدما اقتحمت مستعينة بالاسلحة غرفة العمليات الخاصة بالحرس الشخصي لعرفات. واسفر ذلك عن اصابة اثنين من الحرس. وقال الطيراوي في اتصال هاتفي مع قناة الجزيرة الفضائية القطرية ان باباً واحداً فقط هو الذي يفصل مكتب عرفات الخاص عن الجنود الاسرائيليين. واضاف الطيراوي ان المسألة لم تقتصر على قضاء الليل تحت الحصار بل وايضا تحت وابل مستمر من القصف واطلاق النار. وتابع قوله ان الاسرائيليين يريدون ان تنقطع اتصالات الرئيس الفلسطيني عن العالم الخارجي. وسئل الطيراوي كيف قضى عرفات الليل فرد قائلا انه كان بلا كهرباء او ماء كبقية افراد الشعب الفلسطيني. واشار الى ان الوضع فرض على الفلسطينيين الذين لا يملكون الا الصمود في وجه ذلك. وطلب عرفات خلال مقابلة على أضواء الشموع في مقره الذي تعرض لاضرار برام الله من العالم انهاء العدوان الاسرائيلي على شعبه. وقال عرفات لتلفزيون رويترز «أناشد المجتمع الدولي وقف العدوان على شعبنا وهذا التصعيد العسكري وهذا القتل». واضاف عرفات «سنسير معا حتى يرفع اطفالنا علم فلسطين فوق كنائس ومساجد القدس». واتهم اسرائيل باللجوء لممارسات ارهابية وعنصرية مستخدمة جميع انواع الاسلحة الامريكية. وأعلن ناشطون غربيون من دعاة السلام لوكالة فرانس برس انهم التقوا عرفات بعد ظهر امس في مقر القيادة في رام الله. والتقت الفرنسية كلود ليوستيك والناشط المناهض للعولمة جوزيه بوفيه وناشطان سويسري وأمريكي عرفات خلال عشرين دقيقة. وقالت ليوستيك اثر اللقاء ان «الرئيس عرفات عازم اكثر من اي وقت مضى على مواصلة المقاومة. لقد التقيناه في مكتب في الطابق الأول من المبنى الذي يضم مكاتبه». وبذلك يكون هؤلاء اول اشخاص يلتقون عرفات منذ بدء حصاره الصارم فجر الجمعة. ويتجمع حوالى 100 ناشط اوروبي وعدد قليل من الأمريكيين في رام الله تعبيرا عن تضامنهم مع عرفات والشعب الفلسطيني. وقال حسن عصفور الوزير في الحكومة الفلسطينية انهم قطعوا كل شيء عن عرفات الا ارادته. وأشار الطيراوي وغيره من معاوني عرفات الى ان الوضع يزداد سوءا مع تضاؤل كمية الطعام والماء وضعف شحنة بطاريات الهاتف المحمول. وقال أحد معاوني عرفات لـ «رويترز» في محادثة هاتفية قصيرة «الوضع فظيع.. لا يوجد ماء او كهرباء». وقال مصدر ان اقرب مساعدي عرفات كتبوا على الجدران شعارات بهدف تعزيز الروح المعنوية. ومن بين الشعارات التي كتبت على الجدار بأحرف كبيرة «لن يمروا» وهو شعار قاله عرفات اثناء حصاره بلبنان. وقال فلسطينيون يتابعون الموقف داخل المجمع ان من غير المرجح ان يستطيع عرفات ومعانوه الصمود لفترة طويلة داخل المجمع دون كهرباء وماء وطعام او مواد طبية. وقال معاونو عرفات ان الرئيس الفلسطيني كان يقوم شخصيا بمعاونة طبيبه الخاص على معالجة حراسه المصابين. واضافوا انه فشلت محاولة نقل الجرحى للمستشفى بعد ان اعتقل الجنود الاسرائيليون بعضهم وهم في سيارات الاسعاف. وقال عرفات في مقابلة مع قناة الجزيرة «يريدونني قتيلا.. او مطرودا وأقول.. شهيدا..». وقال وزير الحكم المحلي الفلسطيني صائب عريقات ان حياة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات «باتت في خطر» بعد أن اشتدت الهجمة الإسرائيلية على مكتبه. وقال عريقات في اتصال هاتفي ان الدبابات الإسرائيلية تقصف جميع المكاتب في مقر الرئيس عرفات، وان القصف أحدث حرائق ودماراً هائلاً في المباني والمكاتب. وتابع أن الوضع «خطير جداً، وأنا الآن بدأت أخشى على حياة الرئيس عرفات». وقال عريقات إن الولايات المتحدة تتحمل المسئولية كاملة «عما ترتكبه إسرائيل من جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني في رام الله». وأكد الشهود ان دخاناً اسود شوهد وسمع دوي انفجارات صادر من عدد من مكاتب مقر عرفات، وسط اشتباكات متقطعة بين الجيش الإسرائيلي وحراس عرفات الشخصيين. كما احتل جيش الاحتلال الذي اعتقل أكثر من 200 فلسطينياً برام الله، مبنى يضم مقر وزارة الثقافة الفلسطينية ومقري إذاعة وتلفزيون محليين بعد قصفهما بالدبابات في رام الله. وأوضح فكري حمودة المسئول في هيئة الاذاعة والتلفزيون الفلسطينية ان «الدبابات الاسرائيلية قصفت عمارة الريان التي تضم وزارة الثقافة ومقري تلفزيون الاستقلال وراديو امواج المحليين قبل احتلالها بالكامل في رام الله». واشار الى ان «الدبابات التي حاصرت المبنى اطلقت عدة قذائف مدفعية تجاهه ثم دخلت قوات اسرائيلية كبيرة وتمركزت داخل المبنى الامر الذي ادى الى توقف بث تلفزيون الاستقلال وراديو امواج». وكان مسئول في اذاعة «صوت فلسطين» الرسمية اكد أمس ان الاذاعة توقفت تماما عن البث بسبب احتلال الجيش الاسرائيلي لمبنى الاذاعة في رام الله. وأكد هذا المسئول عبر هاتف نقال ان «الجيش الاسرائيلي طلب من الموظفين في المقر وكان عددهم اربعة اخلاءه فورا وتسليم انفسهم لكنهم تمكنوا من المغادرة قبيل احتلال القوات الاسرائيلية المدعومة بدبابات المقر ما ادى لتوقف البث تماما». وأوضح المسئول نفسه ان الجيش الاسرائيلي «احتل مقار لاربع اذاعات محلية اخرى في رام الله وتوقف بثها هي الاخرى بالكامل». وفي الإطار نفسه استشهد شاهر أبوشرار أحد أفراد الحرس الخاص للرئيس الفلسطيني بعد قيام قوات الاحتلال بمنع عربات الاسعاف من معالجته جراء الإصابة خلال الدفاع عن مقر الرئاسة في رام الله. وكانت قوات الاحتلال قد اقتحمت بيت جالا واستولت على عدة منازل بالمدينة، واحتلت المدينة بالكامل، كما توغلت في بيت لحم مهد المسيح عليه السلام وأوقفت عدداً من الأشخاص. وتوغلت ثلاث دبابات اسرائيلية أمس مسافة 500 متر داخل المنطقة المشمولة بالحكم الذاتي الفلسطيني في مدينة الخليل بالضفة الغربية وفتحت النار على اهداف فلسطينية قبل ان تنسحب بعد ساعة، وفق ما اوضح شهود. وأشار الشهود الى ان عمليات اطلاق النار التي رافقت التوغل ألحقت أضراراً ببعض المنازل، الا انها لم تسفر عن اصابات. وكانت الدبابات تمركزت على مقربة من وسط المدينة. كما افادت مصادر امنية وشهود فلسطينيون ومصور لفرانس برس أمس السبت ان الجيش الاسرائيلي توغل مستعينا بدبابات لأكثر من كيلومتر في اراض خاضعة للسلطة الفلسطينية في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة فيما توغل لاكثر من مئتي متر في منطقة تل السلطان برفح جنوبا. من جهة أخرى، حاصرت الدبابات الاسرائيلية قيادة الأمن الوقائي في الضفة الغربية بالقرب من رام الله حيث قائد هذا الجهاز العقيد جبريل الرجوب، وفق ما أفاد مصدر أمني. وأوضح المصدر ان أكثر من عشر دبابات كانت تحاصر المبنى، حيث العقيد الرجوب وعدد من عناصر حركة حماس المعتقلين في السجن المحلي. وقال الرجوب ان اسرائيل هددت بتفجير المبنى الذي يوجد به أكثر من 400 شخص في حالة عدم تسليمها ما تدعي انهم مطلوبون. في غضون ذلك دعت حركة فتح التي يتزعمها عرفات في بيان أمس كافة القوى الوطنية والاسلامية الفلسطينية الى «تكثيف الضربات ضد قوات الاحتلال ومستوطنيه» واكدت ان المساس بعرفات «سيقلب المنطقة رأسا على عقب وستدفع اسرائيل ثمنا غاليا». وقالت حركة فتح وهي كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في بيان انها «تدعو كافة القوى الوطنية والاسلامية الى العمل على تكثيف توجيه الضربات لقوات جيش الاحتلال وقطعان مستوطنيه». واضاف البيان ان «فتح تحذر مجددا من ان المساس بالرئيس عرفات ينطوي على الخطورة والنتائج الوخيمة والتي لا حدود لها ولسوف يقلب الواقع والمنطقة رأسا على عقب، وان اسرائيل ستدفع الثمن غاليا». يأتي ذلك في الوقت الذي كشف نبيل شعث وزير التعاون الدولي الفلسطيني من ان جيش الاحتلال طلب من الملحقين العسكريين المعتمدين في تل أبيب اجلاء رعاياهم من الأراضي الفلسطينية تحسبا لاحتلال كامل لهذه الأراضي. وقال بوش للصحفيين في مزرعته بتكساس «اتفهم تماما حاجة اسرائيل للدفاع عن نفسها.. ولكن في اثناء ذلك ادعو الحكومة الاسرائيلية الى التأكد من ان هناك طريقا نحو السلام.. لا بد ان يكون هناك حل سلمي وحصلت على تأكيدات من الحكومة الاسرائيلية بانه لن يكون هناك مساس برئيس منظمة التحرير عرفات». وفيما يتعلق بالرئيس الفلسطيني قال بوش «يتعين عليه ان يتحدث علنا. يتعين ان يوضح تماما ان السلطة الفلسطينية لا تدعم الارهاب.. اعتقد ان بمقدور رئيس «منظمة التحرير» عرفات ان يفعل ما هو اكثر بكثير». وفي اول تصريح له منذ بدء العدوان الاسرائيلي قال بوش «يتعين على كل زعماء العالم الوقوف ضد الارهاب.. وهذا ينطبق بوجه خاص على عرفات». وبينما كان بوش يتحدث حذرت القوات الاسرائيلية معاوني عرفات بأنها تعتزم اقتحام مكتبه. وكان الرئيس الامريكي قد هاتف امس زعماء مصر والاردن والمملكة العربية السعودية ليؤكد التزامه بعملية السلام في الشرق الاوسط والتشديد على ان مبعوثه باق في المنطقة سعيا لايجاد حل. وقال جوردون جوندرو المتحدث باسم البيت الابيض ان بوش تحدث مع الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الاردني الملك عبد الله وولي العهد السعودي الامير عبد الله امس. واضاف جوندرو ان بوش اتصل ايضا بكوفي عنان الامين العام للامم المتحدة وبرئيس الوزراء الاسباني خوسيه ماريا ازنار الذي ترأس بلاده الدورة الحالية للاتحاد الاوروبي. واشار الى ان كل اتصال من هذه الاتصالات استغرق عشر دقائق. وقالت وكالة الانباء السعودية الرسمية إن بوش اتصل هاتفيا بالامير عبدالله في مقر إقامته في بيروت. وقالت مصادر قريبة من الوفد السعودي في بيروت أن الامير عبد الله طلب من الرئيس بوش «الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها على الفلسطينيين وضرورة احترامها القرارات الدولية ووقف جميع أعمال العنف واستئناف الحوار فورا». كما طلب الامير عبد الله من بوش منع الكيان الاسرائيلي «استهداف الرئيس عرفات شخصيا». وفي وقت سابق أكد الرئيسان المصري والأمريكي في حديث هاتفي أمس، ضرورة تطبيق القرار 1402 الصادر عن مجلس الأمن الدولي والذي يدعو الى انسحاب القوات الاسرائيلية من رام الله حسبما أفاد التلفزيون المصري الرسمي. وأكد الرئيس المصري ضرورة «تدخل الرئيس الأمريكي للتوصل الى رفع الحصار عن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات». كما دعا مبارك الى تطبيق مذكرة تينيت حول وقف اطلاق النار من دون تعديلات. وأكد الملك عبدالله الثاني فى اتصال هاتفى مع بوش ضرورة اتخاذ الادارة الأمريكية خطوات عاجلة لوقف العدوان الاسرائيلى واجبار اسرائيل على سحب قواتها من رام الله والمدن الفلسطينية الاخرى التى تحتلها.