دخلت القضية الفلسطينية أمس وبعد ساعات من طرح مبادرة السلام العربية مأساة جديدة وفصلا دمويا آخر أعاد عملية التسوية الى المربع الأول ودفع بمنطقة الشرق الاوسط الى المجهول بعد قرار حكومة الارهابي ارييل شارون، اعلان حرب مفتوحة ومستمرة على الشعب الفلسطيني واستهداف شخص رئيسه المنتخب ياسر عرفات بعزله في مقره وربما اغتياله والذي يواجه ومجموعة من حراسه منذ فجر أمس هجوماً ارهابياً اسرائيلياً بالدبابات، أسفر عن استشهاد سبعة واصابة أكثر من 40 شخصا واعتقال مستشار عسكري للرئيس الفلسطيني. وجاء هذا العدوان ليقطع يد السلام العربية التي مدتها قمة بيروت أمس الأول، وليكسر ارادة الصمود للمقاومة الفلسطينية وفرض شروط الاستسلام قبل الدخول في أي مفاوضات مقبلة. كما اعلنت اسرائيل وسط صمت دولي وعجز عربي ان حربها القذرة لا تعرف حدودا جغرافية ما يعني انها مرشحة للامتداد الاقليمي. وبعد اكثر من 18 ساعة على بدء العدوان لم يصدر اي رد فعل رسمي عربي لولا الصوت المدوي الذي احدثته الاستشهادية آيات محمد الاخرس التي نفذت عملية استشهادية في القدس اسفرت عن مقتل اسرائيليين اثنين واصابة 24 آخرين. وبالرغم من هذا التصعيد الاسرائيلي الخطير إلا أن أمريكا أجازت العدوان مكتفية بدعوة شارون الى تقدير عواقب اقتحامه رام الله دون مطالبته بوقف مغامرته، في حين دعت عرفات الى التحرك ضد العمليات المناهضة لاسرائيل وتعهدت بعدم التعرض له قائلة على لسان وزير خارجيتها كولن باول ان اسرائيل لن تؤذي أو تقتل الرئيس الفلسطيني في حين بدأ مجلس الأمن فجر أمس اجتماعا استثنائيا مغلقا حول الوضع المتفجر في الشرق الأوسط. فقد اعلن شارون ووزير حربه بنيامين بن اليعازر بعد اجتماع ماراثوني لحكومته طوال الليلة قبل الماضية ان عرفات «عدو» يرأس ائتلافا ارهابيا حسب زعمه وان رام الله عاصمة الارهاب، قبل ان تجتاح الدبابات فجر امس رام الله في عملية واسعة ومستمرة هدفها المعلن القضاء على ما تعتبره اسرائيل البنى التحية «للارهابيين» من خلال احتلال وتمشيط المدن والمخيمات الفلسطينية. واكد شارون «ان العمليات سوف تستمر اسابيع على اقل تقدير وسنشن عمليات واسعة النطاق لم يسبق لها مثيل». وتابع شارون «ان الهدف هو تحطيم قوى المنظمات الارهابية الفلسطينية»، وذلك لدى توجهه عبر الهاتف الى مسئولين بلديين اجتمعوا في فندق نتانيا شمال تل ابيب حيث قتل 22 شخصا في عملية استشهادية مساء الاربعاء. وبعد ان اكمل الجيش الاسرائيلي اجتياح رام الله واقتحام مجمع الرئاسة حيث مقر عرفات بدأت الدبابات تطلق نيرانها عشوائيا، واحدثت شروخا وثقوبا في مكاتب عرفات، وتبادلت النيران مع حراسه، حيث أعلن الرئيس عرفات في مقابلة أجراها معه تلفزيون أبوظبي ان سبعة اشخاص استشهدوا وأكثر من اربعين آخرين اصيبوا بجروح في الهجوم الاسرائيلي على مقره العام. كما قتل ضابط اسرائيلي خلال المعارك. وقال عرفات في اتصال هاتفي اجري معه في مقره في رام الله «سقط حتى الآن سبعة شهداء وأكثر من اربعين جريحا». وأضاف «معنوياتنا عالية». واتهم الرئيس الفلسطيني الولايات المتحدة بأنها أعطت الضوء الأخضر للهجوم الاسرائيلي ضد مقر القيادة الفلسطينية وكذلك الاستيلاء على مباني السلطة ومنها مقر المخابرات والسجن الذي يوجد فيه مغتالو الوزير الاسرائيلي رحبعام زئيفي حسب ما ذكره الراديو الاسرائيلي. وقال «على العالم أجمع أن يعرف ان اسرائيل لا تتحرك ولا يمكن ان تتحرك من دون موافقة أمريكية». واعتقل الجيش الاسرائيلي اكثر من 70 فلسطينيا. وفقا لما اعلنه الجنرال الصهيوني اسحق ايتان قائد المنطقة الوسطى. من جهة أخرى اعتقل الجيش الاسرائيلي أمس مستشارا عسكريا للرئيس الفلسطيني من منزله في رام الله حسبما أعلنت عائلته. وقال احد افراد عائلته من لندن لوكالة فرانس برس ان اللواء الركن محمود دعاس وهو ايضا نائب في المجلس التشريعي الفلسطيني اقتيد مع مرافقه الى وجهة غير معروفة. وحذر نبيل ابوردينة مستشار عرفات من الخطر الذي يهدد حياة عرفات، نافيا اصابة (ابوعمار) بنيران الاحتلال. يذكر ان عدداً من القادة الفلسطينيين امثال ياسر عبدربه وزير الثقافة والاعلام، والعقيد محمد دحلان رئيس جهاز الامن الوقائي الفلسطيني متواجدون في داخل مكتب عرفات. وقال عبدربه: «انهم يطلقون النيران مباشرة الى مكتب عرفات، وان حياته في خطر، والوضع خطير جدا». من جانبه أوضح محمد دحلان ان عرفات هاديء الاعصاب ثابت الخطى رافع الهامة ودوما يصدر التعليمات بشكل طبيعي وواثق وتعليماته واضحة .. إما النصر أو الشهادة.. مؤكدا ان عرفات لن يغير كلمة من مواقفه السياسية التي ارادت اسرائيل ان تفرضها عليه من فوهات البنادق او من فوهات الدبابات. وقال ان تعليمات عرفات واضحة للجميع بالصمود والاستبسال في الدفاع عن كل شبر فلسطيني حتى اخر قطرة دم ولارسال رسالة الى كل العالم والى حكومة شارون بأن هذه لن تكون نهاية المطاف بل بداية المواجهة الجدية رغم امكاناتنا المتواضعة حين نتعرض لعدوان بالدبابات والامكانات العسكرية الاسرائيلية التي وجدت لتطويع الشرق الاوسط. وفي القدس دنست قوات الاحتلال المسجد الاقصى واطلق الاسرائيليون الرصاص على المصلين الفلسطينيين داخل ساحات المسجد الاقصى عقب ادائهم صلاة الجمعة. وقد دعا فضيلة الشيخ عكرمة صبري مفتي القدس في خطبة الجمعة بالمسجد الاقصى الشعوب العربية والاسلامية الى تقديم العون والنصرة لابناء الشعب الفلسطيني وخاصة في رام الله في مواجهة الحرب الاسرائيلية الجديدة التي يتعرضون لها حاليا. ورداً على العدوان نفذت الاستشهادية آيات محمد الاخرس عملية فدائية في مستوطنة حي كريات يوفيل بالقدس. وقال الناطق بلسان كتائب شهداء الاقصى ان «فتاة استشهادية فلسطينية» تدعى آيات محمد الاخرص (16 عاما) من مخيم بيت لحم من كتائب شهداء الاقصى هي التي نفذت العملية التي أسفرت وفق مصادر طبية وشهود عيان في القدس عن مقتل اسرائيليين واصابة 24 بجروح. وفي اول رد فعل امريكي على الاجتياح الاسرائيلي دعا وزير الخارجية الامريكي امس شارون الى ان «يقيم بامعان» عواقب عملية اقتحام رام الله». وقال باول ان واشنطن تدعو شارون الى ان «يقيم بامعان عواقب هذه العمليات»، مؤكدا ان واشنطن «قلقة جدا حيال العمليات العسكرية الجارية في رام الله». كما دعا باول الرئيس الفلسطيني الى التحرك ضد العمليات المناهضة لاسرائيل والتي أكد انها كانت وراء الازمة الحالية. وقال متوجها الى الصحافة «هذا ما ادى الى هذه الازمة. وليس غياب الآفاق السياسية، بل «الارهاب» بشكله البدائي». وأكد باول ان شارون تعهد لواشنطن بأن اسرائيل لن تؤذي أو تقتل عرفات وذلك خلال اتصال هاتفي معه في وقت متأخر الخميس. وأوضح «خلال الحديث قال لي» شارون ان اسرائيل لا تنوي التعرض بالأذى لعرفات، وانما بالأحرى «تنوي عزله». وأضاف ان مبعوث الولايات المتحدة في المنطقة انتوني زيني «على اتصال مع الاسرائيليين والفلسطينيين». وهو باق في المنطقة لمواصلة اتصالاته مع الاطراف. وقال متحدث باسم البيت الابيض لوكالة الانباء الكويتية ان الرئيس الامريكي جورج بوش بحث هاتفيا أمس مع باول ومستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس حالة عرفات وان واشنطن تتابع الوضع عن كثب وانها تحضر ردا مناسبا على تصعيد العنف بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني. وفي تطور لاحق أعلن ناطق باسم الامم المتحدة ان مجلس الامن بدء فجر أمس الجمعة اجتماعا تشاوريا استثنائيا مغلقا حول الوضع في الشرق الأوسط. وكان تم الخميس في أروقة المجلس تداول انباء بشأن عقد اجتماع عاجل للمجلس حول الشرق الاوسط بطلب من روسيا، لكن لم تتم الاستجابة لهذا الطلب على الفور. وكشف السفير الفلسطيني خيري العريدي خلال مؤتمر صحفي في العاصمة الروسية موسكو ان الولايات المتحدة رفضت الاقتراح الروسي.