يقول المراقبون أنه رغم نجاحها في توجيه رسالة سلام جماعية إلى إسرائيل، وتحقيقها خرقا لسقف التصلب العراقي- الكويتي، فقد فشلت قمة بيروت العربية في إعلان اعتراف جماعي بالكيان السياسي الفلسطيني. إعلان بيروت، وهو الوثيقة السياسية الجامعة لانجازات الزعماء العرب في اجتماعهم السادس والعشرين، خلا من أي إشارة إلى السلطة الفلسطينية، كتعبير عن الكيان السياسي الممثل للشعب الفلسطيني منذ اتفاقات أوسلو لعام 1994. كما لم يتضمن الاعلان، على عكس إعلان عمان الصادر عن القمة الخامسة والعشرين قبل عام، أي إشارة حتى إلى عبارة القيادة الفلسطينية مكتفيا بذكر الشعب الفلسطيني، والانتفاضة، والشهداء. واللافت أن الاعلان، الذي تلاه وزير الخارجية اللبنانية محمود حمود في الجلسة الختامية للقمة أمس، لم يتضمن حتى عبارات التضامن العربي اللفظي التقليدية مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، الذي لم يتمكن بسبب الحصار الاسرائيلي المفروض على مقره في مدينة رام الله الفلسطينية من المشاركة في أعمال قمة بيروت. وثيقة القمة لم تقصر في إبداء التشدد حيال الدفاع عن الكيانات السياسية والجغرافية للكويت، بالدعوة إلى الحفاظ على حدودها وسيادتها، والعراق، برفض أي تهديد لارضه ونظامه والدعوة إلى رفع الحصار عن شعبه، ودولة الامارات العربية المتحدة بالدعوة إلى استعادة سيادتها على الجزر الثلاث أبو موسى، طنب الكبرى وطنب الصغرى، التي تحتلها إيران. أما السلطة الفلسطينية، يلحظ دبلوماسي غربي، فإنها «لم تحصل على شيء لان المؤيدين الرئيسيين لها، والمدافعين عن وجودها في العالم العربي، قد تغيبوا عن المؤتمر». وكان يشير بذلك إلى الرئيس المصري حسني مبارك، والعاهل الاردني الملك عبد الله الثاني وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. ويعتبر الدبلوماسي الغربي أن إعلان بيروت، الذي يعكس في غالبيته السياسة العربية للدولة المضيفة لبنان ولحليفتها سوريا، «أعلن، ولو بشكل غير مباشر، أن هناك مشكلة سياسية فلسطينية ـ عربية إضافة إلى المشكلة السيادية الفلسطينية ـ الاسرائيلية. واللافت أن العالم، حتى إسرائيل، يعترف بعرفات رئيسا منتخبا للشعب الفلسطيني، فيما لا يستطيع العرب الاتفاق على ذلك». العرب، يوضح المصدر «يتفقون على أن هناك مشكلة مع إسرائيل، هي مشكلة فلسطين، ولكنهم لا يتفقون على ماهية الكيان السياسي الفلسطيني. لا يقبل بعض العرب أن يكون للشعب الفلسطيني أب فلسطيني. أبوه يريدونه عربيا». وكان وزير الخارجية السعودية الامير سعود الفيصل، أثناء شرحه لمبادرة ولي العهد الامير عبد الله بن عبد العزيز قد حاول أن يؤكد تمايز المملكة في هذا الشأن تحديدا، مشددا على أن «المملكة تقدم ما يساعد الشعب الفلسطيني ولا تريد أن تفرض عليه وصاية». عرفات، وفي خطابه الذي حجب بثه عن قاعة القمة العربية في فندق فينيسيا، رحب بما أسماه «المبادرة السعودية المستنيرة». وعاد وفده، الذي كان انسحب احتجاجا على حجب خطاب رئيسه، عاد وشارك في الجلسة الختامية كي لا يحرم المبادرة السعودية من الاجماع الذي وضعته المملكة شرطا لتحويلها إلى مبادرة عربية. ويقول مصدر محايد، حضر الجلسة الافتتاحية للقمة «الاربعاء» ضمن المدعوين بصفة مراقبين، أن اجتماع بيروت «قدم هدية للعرب المنهكين من مواجهة الغرب بعد هجمات 11 سبتمبر هي عرض سلام مع إسرائيل. وحصدت الكويت جائزتها اعترافا عراقيا بسيادتها وتطمينا لمستقبلها، وحصد العراق تضامنا ضد تهديده ومطالبة برفع الحصار عنه». ويضيف ان «الامارات حصدت تجديد الدعم التقليدي لاستعادتها الجزر الثلاث. لبنان أيضا ربح جائزته بإضافة بند إلى مبادرة السلام برفض توطين الفلسطينيين على أرضه لتناقضه مع دستوره، وهو ما عمل له رئيس الجمهورية إميل لحود طويلا وخاض بسببه سجالات مستفيضة مع الوفود العربية استغرقت طوال ليل أمس. السلطة الفلسطينية هي الخاسر الوحيد». كما يعتقد هذا الخبير. عضو في الوفد الفلسطيني، طلب عدم ذكر اسمه، أكد الخسارة: «نعم خسرنا قرارا يعترف بالسلطة على أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. لم نكن بحاجة ماسة إلى مثل هذا الاعتراف الشكلي. نحن سلطة منتخبة شرعيا من قبل شعبنا، ومن لا يعترف بنا هو ليس منتخبا من قبل شعبنا، بل يمارس عليه وصاية». ويضيف المصدر «ضحينا بالاعتراف بالسلطة لانجاح المبادرة السعودية. هذه تعليمات الرئيس عرفات. أردنا إنجاح المبادرة بأي ثمن. نحن شعب تعود التضحيات». الفقرة الاخيرة من كلمة رئيس الوفد الفلسطيني فاروق القدومي، الذي خاطب الجلسة الختامية بروتوكوليا بعد أن قاطع المؤتمر احتجاجا على حجب خطاب عرفات، تعكس المسيرة السياسية الطويلة للفلسطينيين القائمة على قطف براعم الفوز من أشواك التضحيات. قال القدومي: «نكرر شكرنا للرئيس وللحكومة اللبنانية وللشعب اللبناني على استضافتهم لهذا اللقاء العربي في لبنان العزيز وعلى حسن استقبالهم لنا وحفاوتهم بنا. ونرجو من المؤتمر اعتبار كلمة الاخ أبو عمار وثيقة من وثائق هذا المؤتمر». قبل 24 ساعة فقط، كان القدومي يتهم الرئيس اللبناني لحود بأنه حجب كلمة عرفات المتلفزة، وبأنه أخر تسلسله في عداد الخطباء. تلفزيون لبنان الرسمي تلقى تعليمات بعدم بث تصريحات القدومي الغاضبة. الصحافة الفلسطينية وبعض العربية اتهمت لحود، بدعم من سوريا، بتغييب كلمة عرفات. د.ب.ا