اعترف الكاتب العربي الأشهر محمد حسنين هيكل بلقاء طويل مع العقيد معمر القذافي الذي تم قبل اسابيع بعد اللقاء الأول بينهما حينما ارسله الزعيم الراحل جمال عبدالناصر الى ليبيا لمقابلة القذافي بعد ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969 مباشرة. وقال هيكل في مقال نشرته «الجارديان» البريطانية بعنوان «صمت مميت» ان القذافي ارسل له طائرته الخاصة مع دعوة لزيارته في طرابلس، حيث التقاه لساعات وعاد ليومه الى القاهرة. ووصف هيكل طبيعة اللقاء الذي تم في خيمة حيث كان القذافي يرتدي صديريا احمر وطاقية سوداء وعباءتين من صوف النوق، من نسيج يدوي، على الطريقة التقليدية لبادية ليبيا، مشيدا بمسحة من الحكمة ميزت القذافي بحكم الخبرة وسنوات عمره (60 عاما)، وكشف هيكل ان سؤال القذافي له كان محوره اسباب الصمت المميت للشارع العربي، في مرحلة مصيرية يتلمس منه القادة ملامح قرارهم، وسط ضغوط عاتية تمارسها واشنطن، وتهديدات وحرب معلنة ضد الشعب الفلسطيني، واجواء تسبق ضربة للعراق. وقال هيكل ان السؤال عن سر الصمت العربي الشعبي كان هاجس القذافي الاساسي، المتحفز لمعرفة السر، والذي توقع ان قمة بيروت المقبلة ستخرج بقرارات دون مستوى قمة عمان. واوضح هيكل ان القذافي سأله: ماذا حدث للشارع العربي؟ لقد كان العرب يتحدثون وكان صوتهم هو المحرك والهادي لقادتهم يحدد لهم ماذا سيفعلون، لكن اليوم بينما الأمة العربية تواجه ضغوطاً استثنائية، ويتوجب على الحكام العرب اتخاذ قرارات مصيرية، نجد ان الصوت العربي، صامت لا صدى له، وينقل هيكل في مقاله عن القذافي قوله: الأمريكيون يتحكمون بل ويحكمون، وما يقولونه ويفعلونه يدق ناقوس الانذار، انحيازهم لاسرائيل مطلق، وهم لا يهمهم ويجاهرون بعدائهم للعرب، لدرجة ان العرب لم يعد يسمعون من واشنطن سوى التهديدات والاهانات. وعدد القذافي ـ حسب مقال هيكل ـ صور الاهانة والتهديدات، فياسر عرفات محاصر في منزله ومطلوب منه ايقاف الانتفاضة، حتى لو كان الثمن حرباً أهلية فلسطينية، العراق وايران، وحركات حماس والجهاد وحزب الله على قائمة واشنطن الارهابية، حتى الدول ذات العلاقات الودية الوثيقة مع واشنطن لم تعد بمنأى عن الاهانة، والخلاصة ان العرب جميعا في وضع مهين. وفي شرحه لاسباب الصمت العربي، استخلص هيكل ان هناك عدة نقاط تكشف مغزاه، منها ان الشارع العربي، اكتشف اخيرا ان حديثه وتحركه بلا جدوى، فهو يطالب حكومات ونظماً كان يعتقد انها تمثله، فاكتشف ان معظمها ليس كذلك ولا توجد رابطة له بها.