في جلسة لم تستغرق سوى دقائق معدودة أيدت المحكمة الاسكتلندية امس حكم السجن المؤبد الصادر بحق الليبي عبدالباسط المقراحي بتهمة التورط في قضية تفجير طائرة لوكيربي، الذي سيتم نقله ًالى سجن جلاسكو الاسكتلندي، وقد أدانت ليبيا على الفور حكم المحكمة واعتبرته حكماً سياسياً فيما حثت واشنطن ليبيا على التحرك للاستجابة الى مقتضيات قرارات مجلس الأمن بشأن لوكيربي. وقد اصيبت زوجة المقراحي بانهيار حاد في قاعة المحكمة وتم نقل والدته في طرابلس الى المستشفى، فيما اصيب الشارع الليبي بذهول شديد وخيم الحزن على أبنائه وأقاربه، وقالت ابنته غادة وكذلك محامي الدفاع ان الحكم ظالم وصادم لرجال القانون وسنرفع القضية مجدداً الى المحكمة العليا الهولندية والى محكمة الاتحاد الاوروبي حتى نحصل على براءة والدي الذي راح ضحية مؤامرة سياسية ضد ليبيا. كما ادان استاذ القانون الاسكتلندي روبرت بلاك صاحب فكرة محاكمة المتهمين على أرض محايدة ـ قبل ساعات قليلة من الحكم على المقراحي ـ الحكم الابتدائي الصادر بحق المقراحي قائلاً انه حكم غير عادل مؤكداً ضرورة ان تتحلى المحكمة الاسكتلندية بالشجاعة وتلغي الحكم الابتدائي او تعيد محاكمته على أقل تقدير وهو ما لم يحدث. وقد نطق رئيس المحكمة اللورد كوين رئيس هيئة القضاة الخمسة بجملة واحدة وهي «نرفض الاستئناف» والمحكمة مطمئنة لما استند عليه حكم السجن، ورفعت بعدها الجلسة وسط ردود فعل عاصفة بين صراخ واغماء زوجة المقراحي وسقوط بين اسر الضحايا خارج المحكمة، منهم من فرح بالحكم، ومنهم من كان لا يزال لا يصدق ان المقراحي هو المتهم وان هناك اخرين لم يتناولهم الحكم، وقد صرخت زوجة المقراحي عائشة بمجرد سماعها الحكم وسقطت مغشياً عليها في قاعة المحكمة وتم نقلها للخارج. واجمع اقارب المقراحي على ظلم الحكم وانه سياسي، وان الدفاع قدم كل الأدلة التي تفيد براءة المتهم الليبي وأكد عدد من المحامين العرب الذين التقتهم «البيان» امام المحكمة ومنهم فرج العجيلي عضو الأمانة العامة للمحامين الليبيين، وحافظ اللوز من نقابة المحامين التونسيين، وصابر عمار الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب على ان الحكم صدمة لرجالات القانون الذين افترضوا الاستقلالية في المحكمة الاسكتلندية ووثقوا في عدالتها. واكد صابر عمار الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب في معسكر زايست ان صدور حكم الاستئناف ليس الفرصة القانونية الاخيرة امام المقراحي، اذ يمكنه التقدم بطعن في الحكم امام مجلس اللوردات الاسكتلندي، او اللجوء الى محكمة العدل الدولية للطعن في الحكم الصادر، واشار الى اندهاشه بصدور حيثيات حكم الاستئناف في مئتي صفحة، فاذا كانت محكمة الاستئناف لديها القناعة الحقيقية والكاملة لصدور حكم أول درجة بالسجن المؤبد، فلماذا احتاجت الى 200 صفحة لتبرير قناعتها بهذا الحكم. وقد تضمنت حيثيات الحكم في القضية 200 صفحة، ذكرت في صفحاتها الأسباب التي تم على أساسها تأييد الحكم ورفض المستندات المقدمة من دفاع المقراحي وتركزت الحيثيات في ان الاسباب التي قدمها الدفاع من زرع القنبلة في مطار هيثرو بلندن وليس مطار لوقا بمالطا كلها افتراضات لم تقدم على أساس أو سند من الواقع يدعمها، وان المحكمة مطمئنة الى الأسباب التي بني عليها حكم الادانة. ومن المقرر ان يتم نقل المقراحي بطائرة عسكرية هولندية خاصة عبر مطار فالكين برخ العسكري بهولندا مباشرة الى سجن جلاسكو، وستتم عملية التنقل وسط حراسة هولندية ـ اسكتلندية مشتركة، ومرتقب ان يسمح لأحد محاميه بمرافقته في الطائرة. وفي اول رد فعل اكدت ليبيا ادانتها للحكم واستغرابها الشديد وأوضحت الخارجية الليبية بأنها ستلجأ الى كل ما من شأنه ان يحقق الافراج الفوري عن عبدالباسط المقراحي الذي ادين لأسباب سياسية واعتباره رهينة سياسية في حالة استمرار حبسه طبقاً لكل القوانين وطالبت بالرفع الفوري الكامل والنهائي للاجراءات الظالمة التي كانت مفروضة على ليبيا بضغوط امريكية وبريطانية وتعويض الشعب الليبي عما أصابه من أضرار مادية وبشرية. ووصف سليمان الشحومي الأمين العام المساعد لمؤتمر الشعب العام في ليبيا الحكم بأنه سياسي، وقال ان قضاة المحكمة لم يستطيعوا الفكاك من الضغوط التي مورست عليهم من قبل واشنطن ولندن. وأوضح الشحومي انه طالما ان القضية سيست فسنلجأ إلى الحوار السياسي مع الولايات المتحدة وبريطانيا وان الحوار السياسي مفتوح منذ فترة بين ليبيا وهاتين الدولتين حول جميع القضايا التي تعترض علاقات البلدين. وقال: ليس أمام المواطن الليبي إلا محكمة الاتحاد الأوروبي لحقوق الانسان لرفع استئناف في الحكم الصادر ضده لأنه حسب النظم القضائية حكم ابتدائي واستئناف. وفي العاصمة البريطانية لندن رحب جاك سترو وزير الخارجية البريطاني امس برفض المحكمة الاستئناف وتأييدها ادانة المقراحي بتهمة القتل وقال سترو للصحفيين بعد دقائق من رفض الاستئناف ان ادانة المقراحي لا تعوض معاناة اسر الضحايا لكنه استطرد قائلاً «آمل ان يوفر لهم بعض العزاء والراحة». وكان حكم بالسجن مدى الحياة قد صدر على المقراحي (49 عاماً) في يناير عام 2001 بتهمة قتل 270 شخصاً لقوا حتفهم في انفجار طائرة بان امريكان اثناء رحلتها رقم 103 المتجهة لنيويورك وأوصى القاضي بسجن المقراحي 20 عاماً. وبدأ النظر في الاستئناف في 23 يناير الماضي واستغرق الاستماع للدفوع وللأدلة الجديدة 14 يوماً. وكما حدث في المحاكمة الأصلية جرى الاستئناف ايضاً في محكمة اسكتلندية اقيمت خصيصاً في هولندا بعد اعتراض ليبيا على عقد المحاكمة في بريطانيا. وبرأت المحاكمة الأولى ساحة ليبي آخر هو الامين خليفة فحيمة.