عاد أرييل شارون إلى لعبة الخداع نفسها التي احتال بها على الأمريكيين في العام 1982 وتمكن خلالها من اجتياح لبنان حيث أطلق شائعات اللين السياسي عبر سماحه لياسر عرفات بحرية التحرك في مناطق السلطة الفلسطينية، فقط وقبوله المبدئي بنشر عدد محدود من المراقبين الأمريكيين فيما جيشه يصعد العدوان بستة شهداء خلال إعادة احتلال مدينة وثلاثة مخيمات في الضفة الغربية وقطاع غزة واعتقال ما يزيد على 800 من مخيم واحد وهو ما لم يفلح في بقاء تحالفه الحكومي متماسكاً حيث تزايدت ترجيحات حزبه «الليكود» بإجراء انتخابات مبكرة. ولجأ شارون مجدداً إلى مراوغة الضغوط الأمريكية بإعلان مكتبه في بيان أمس انه «اثر اعتقال الفلسطينيين الستة (الملاحقين بتهمة الضلوع في اغتيال وزير السياحة الاسرائيلي رحبعام زئيفي) الذي كانت اسرائيل تطالب السلطة الفلسطينية بتنفيذه، قرر رئيس الوزراء (ارييل شارون) رفع القيود عن تحرك ياسر عرفات في اراضي السلطة» الفلسطينية فقط، لكن خروجه للخارج يتطلب مصادقة حكومة شارون. لكن وزير الإعلام الفلسطيني ياسر عبدربه وصف هذا القرار بأنه «لا قيمة له في وقت يستمر شارون في توسيع رقعة اقتحام المدن والمخيمات والبلدات الفلسطينية»، موضحاً أن «هذه مناورات جديدة يلجأ إليها شارون للتغطية على فشله وفشل حكومته وجيشه». وكانت نحو 50 دبابة إسرائيلية أعادت أمس احتلال مدينة قلقيلية ومخيمي عايدة والدهيشة في الضفة الغربية فيما كانت قوات أخرى تجتاح مخيم البريج في قطاع غزة ما أسفر في حصيلة إجمالية عن ستة شهداء وأكثر من عشرة جرحى فيما تم اعتقال ما بين 600 إلى 800 فلسطيني من مخيم الدهيشة وحده. وبهدف الحفاظ على منصبه سارع وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز لمساعدة شارون في لعبة الخداع هذه حيث التقى في القدس أمس أحمد قريع رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني دون ان يسفر اللقاء عن اية نتائج في وقت كان محمد دحلان رئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة يجتمع مع رئيس جهاز الأمن الداخلي «شين بيت». وقبيل ذلك قال بيريز «اؤيد الحوار مع الفلسطينيين ويجب وقف عمليات القصف التي تلحق الكثير من الضرر بصورتنا». وردا على سؤال حول عمليات توغل الجيش الاسرائيلي في المخيمات والمناطق الفلسطينية، اعرب بيريز ايضا عن تحفظاته عليها. وقال «لو كان الامر عائداً الي، لكنت ترددت في اتخاذ مثل هذه القرارات ولما كنت قمت بها الا في حال لم يكن هناك فعلا اي خيار اخر». وساهم بيريز أيضاً في تسويق حكومة شارون على أنها راغبة في السلام بتأكيده تقارير صحافية تحدثت عن قبول شارون لخطة نشر قوة صغيرة من المراقبين الأمريكيين لمراقبة تطبيق خطتي تينيت وميتشيل يعتزم الموفد الأمريكي أنتوني زيني طرحها على الجانبين الخميس المقبل. وقال بيريز ان «هؤلاء المراقبين الأمريكيين سيكلفون بتحديد الجهة التي تواصل اطلاق النار بعد التوصل الى وقف لاطلاق النار وانه قد يكون لمجرد وجودهم تأثير رادع». لكن وزير الخارجية الاسرائيلي اعلن مع ذلك ان الولايات المتحدة «تتردد في ارسال اناس الى مناطق تدور فيها معارك، ولن يقوموا بذلك الا في حال لم يكن لديهم خيار». وكان عامي ايالون مستشار شارون قال «نقبل بنشر عدد محدود من المراقبين الأمريكيين» الذين قدرت مصادر إسرائيلية عددهم بـ 15 من وكالة الاستخبارات «سي.آي.إيه». ونقلت صحيفة «هآرتس» العبرية في هذا الإطار عن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول قوله «الحديث يدور عن قوة مراقبين صغيرة ولكن ربما تزداد مع الوقت وباتفاق الطرفين». وبدا وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين متحمساً بقوله لصحيفة «لو ماريزيان» الفرنسية أمس إن إرسال قوة متعددة الجنسيات مفيد للطرفين وأن إرسال مثل هذه القوة «قد يكون من القرارات الأولى التي سيقبل بها الطرفان بعد استئناف المفاوضات». لكن قائد جيش الاحتلال شاؤول موفاز فضح أمس زيف التوجه السلمي لشارون حين أكد أن جيشه سيواصل عملياته الهجومية في مناطق السلطة على أمل هزيمة الفلسطينيين وتمكين حكومة إسرائيل من الدخول في مساري تينيت وميتشيل من «خلال موقع التفوق». ويبدو أنه حتى الاحتلال لم يسعف شارون في الإبقاء على ائتلافه الحكومي متماسكاً بعد فشله أمس في إقناع حزب «إسرائيل بيتنا» المتطرف بالعدول عن قرار الانسحاب من الحكومة. ورغم أن هذا الحزب لا يمتلك سوى سبعة مقاعد في الكنيست إلا أن قراره من شأنه أن يدفع نواب حزب العمل للضغط على حزبهم للانسحاب أيضاً. وتقول مصادر في الحكومة الائتلافية و«الليكود» إن انسحاب تكتل الاتحاد القومى الذى بات مؤكدا سيؤدي الى اجراء انتخابات مبكرة بينما تؤكد مصادر ليكودية ان هذه الانتخابات ستجرى في موعد أقصاه منتصف 2003 اى قبل حوالي ستة اشهر من الموعد الاصلي المقرر للانتخابات في شهر اكتوبر. ونقلت «هآرتس» عن وزير ليكودي قوله انه من الصعب التنبؤ بأي شيء ولكن الامر يبدو كأنه بداية النهاية وانه اذا فشل شارون في التوصل لاتفاق على وقف اطلاق النار فإن نهايته السياسية ستكون سريعة ولكن اذا نجح سيكون بإمكانه ان يحسن مركزه.
