عاشت فلسطين أمس الجمعة يوماً من أشد أيام الاحتلال قسوة وشراسة وإرهاباً في إطار حرب الإرهابي ارييل شارون الذي ارتكب أبشع المجازر والمذابح الجماعية بأسلحة الحرب الأمريكية، في الضفة الغربية وقطاع غزة راح ضحيتها نحو 57 شهيداً ما زالت جثامين بعضهم متناثرة في الأزقة ومثبتة على دبابات الاحتلال، فيما أصيب المئات وهو ما ينذر بفوضى عارمة تهدد الشرق الأوسط برمته حاولت واشنطن تداركها بمبادرة جديدة هي خليط من الأفكار المتداولة تبدأ بتطبيق فوري لتفاهمات تينيت وتقرير ميتشيل من دون أيام الهدوء السبعة وتنتهي بما ورد في الأفكار السعودية. وسارعت السلطة بمطالبة الدول العربية للتدخل لدى أمريكا وأوروبا لوقف العدوان الوحشي فوراً. ففي ظل تزايد مؤشرات قرب سقوطه بدا رئيس وزراء دولة الإرهاب ارييل شارون عازماً على إغراق المنطقة بالفوضى والدمار في اطار حرب يائسة وشرسة بلغت مستويات غير مسبوقة من المذابح الجماعية في مناطق قطاع غزة والضفة الغربية. وحفلت التقارير العبرية أمس بما يؤكد حالة التخبط التي يعيشها شارون في ظل استطلاع جديد لرأي الإسرائيليين أظهر دعم غالبيتهم لسقوط حكومته والتوجه لانتخابات مبكرة، فيما كشفت «معاريف» انه كان اقترح في وقت سابق توجيه أوامر لسلاح الجو الإسرائيلي بإحداث «انفجارات فوق صوتية» هائلة في سماء غزة ورام الله وقلقيلية ومخيمات اللاجئين والمدن الأخرى لتحطيم زجاج كافة المنازل الفلسطينية. لكنه اختار أمس نهج المجازر والمذابح الجماعية التي اعتاد عليها منذ قبية إلى صبرا وشاتيلا أسفرت خلال 24 ساعة عن 57 شهيداً ما يعني شهيدين كل ساعة تقريباً. فقد تسللت وحدات من القوات الصهيونية الخاصة تحت غطاء قصف المروحيات الوحشي وزحف الدبابات إلى بلدتي خزاعة وعبسان قرب خانيونس في قطاع غزة وارتكبت متخفية بسيارة اسعاف مجزرة وحشية أسفرت عن 16 شهيداً بينهم اللواء أحمد مفرج نائب مدير الأمن العام في القطاع عبدالرزاق المجايدة الذي نجا لاحقاً من محاولتي اغتيال في خانيونس ودير البلح بصواريخ الأباتشي. كما سقط أربعة شهداء في قصف لمقر قوات البحرية الفلسطينية في مدينة غزة. وفي الضفة الغربية وبعد طولكرم أعادت القوات الإسرائيلية احتلال منطقة بيت لحم ومخيمي الدهيشة وعايدة واعتداءات على بلدتي بيت ساحور وبيت جالا أسفرت عن 13 شهيداً بينهم امرأة وطفلان. فيما استشهد فلسطيني في وقت لاحق بمخيم الدهيشة برصاص قوات الاحتلال. أما في مخيم طولكرم فقد أكدت مصادر فلسطينية ان الجيش الغازي ارتكب مجزرة بشعة بعيداً عن وسائل الإعلام وفي ظل حصار مشدد للمخيم قال بعض سكانه عبر الهاتف المحمول انهم شاهدوا نحو أربع جثث بين الأزقة وعدداً كبيراً من المصابين وجراحهم نازفة وعدداً غير معلوم من الشهداء الذين قدر رئيس البلدية محمود جلال عددهم بـ 22 شهيداً. وقالوا إن جنود الاحتلال ثبتوا جثث شهداء على مقدمة دباباتهم التي تجوب شوارع المخيم فيما قتل جندي إسرائيلي خلال الاشتباكات. وقالت المصادر ان الشهداء هم معزوز الجاروشي (30 عاماً) وخالد هارون (27 عاماً) وكانت طواقم الاسعاف قد منعت من الوصول اليهما. وقالت المصادر ان هناك ثلاث جثث لشهداء ما زالت في أزقة المخيم، لم يتمكن الشبان ولا سيارات الاسعاف من ايصالها للمستشفى وهم: هيجر فرج «ام جوهر» (70 عاماً) وبسام درسيه (40 عاماً) وغسان سالم (36 عاماً). وفي القدس اعدم جنود الاحتلال الاسرائيلي مساء أمس شاباً فلسطينياً في حي بيت حنينا شمال مدينة القدس المحتلة بعد ان اعتقلوه بدعوى انه كان يحمل حزاماً ناسفاً. وذكرت مصادر فلسطينية ان احد جنود الاحتلال اطلق النار على رأس الشاب الفلسطيني من مسافة قريبة جداً بعد ان تمكن الجنود الآخرون من السيطرة على الشاب مما ادى الى استشهاده. وأعلن آفي بازنر المتحدث باسم الحكومة الاسرائيلية أمس ان العمليات العسكرية التي تنفذها القوات الاسرائيلية حالياً في المناطق الفلسطينية سوف تستمر حتى يتم القضاء على ما وصفه «بالبنية التحتية للمنظمات الفدائية الفلسطينية والقضاء على الشبكات الارهابية واعتقال النشطاء الفلسطينيين» على حد قوله. وبعد ساعات من هذا التهديد ذكر مسئولون في أجهزة الأمن الفلسطينية ان مروحيات اسرائيلية أطلقت أمس صواريخ على مواقع لاجهزة الأمن الفلسطينية في قريتين بالقرب من الخليل في جنوب الضفة الغربية. واضاف المسئولون ان الصواريخ أصابت مركزاً للشرطة في حلحول في شمال الخليل ومقر أجهزة الاستخبارات القريب من يطا في جنوب المدينة. وقال المسئولون ان مروحيات اسرائيلية أطلقت أمس الجمعة صواريخ على مواقع لأجهزة الأمن الفلسطينية في مخيم جباليا شمال قطاع غزة. وازاء هذا التصعيد طلب وزير التعاون الدولي الفلسطيني نبيل شعث أمس من الدول العربية التدخل فوراً لدى الولايات المتحدة والقادة الاوروبيين «لوقف العدوان الاسرائيلي الوحشي فوراً». وقال شعث ان الولايات المتحدة مسئولة ويجب عليها ان توقف القتل. واضاف «نريد من جميع الوزراء العرب المجتمعين في القاهرة الاتصال بالولايات المتحدة والمسئولين الاوروبيين لوقف العدوان الاسرائيلي الوحشي فوراً». وحذرت الصحف العبرية أمس من أن شارون يدفع بالأمور إلى إعادة احتلال كافة المناطق الفلسطينية وتقويض السلطة وإحلال فوضى عارمة في الشرق الأوسط برمته ما يستتبع التدخل الدولي لتفادي الحرب الشاملة في المنطقة. ونقلت وكالة الاسيوشيتدبرس في هذا الاطار عن قائد كتائب الأقصى في جنين محمود الطيطي قوله إن الكتائب تستعد لتشكيل «جيش تحرير فلسطين» لبدء موجة هجمات واسعة ضد جنود الاحتلال والمستوطنين وتنفيذ عمليات استشهادية عارمة في قلب الدولة العبرية، مؤكداً رفض الكتائب مطلب الرئيس ياسر عرفات بعدم شن هجمات في عمق إسرائيل. وكان مقاتل من كتائب عزالدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس نفذ عملية بطولية في مستوطنة عتصمونة بقطاع غزة استهدفت مدرسة حربية لتدريب غلاة المتطرفين اليهود عسكرياً ما أسفر عن مقتل خمسة منهم وإصابة 23 قبل استشهاده بعد أن أفرغ خمسة مخازن رصاص واستخدم ست قنابل يدوية. وإزاء ذلك طالب عرفات وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في اتصال هاتفي أمس بتدخل عاجل وسريع لوقف مجازر شارون. واضطرت إدارة جورج بوش للتدخل حيث كان الرئيس الأمريكي أعلن قراره إعادة مبعوثه الجنرال أنتوني زيني إلى المنطقة الأسبوع المقبل، نافية في الوقت نفسه ان تكون الضغوط العربية وراء رحلة زيني. غير أن وزير الاعلام الفلسطيني ياسر عبد ربه قال أمس في تصريحات الى الاذاعة الفرنسية ان الزيارة المقرر ان يقوم بها زيني الى المنطقة «لن تؤدي الى أي شيء». وصرح عبدربه لاذاعة الشرق الفرنسية: «لن تؤدي الى أي شيء لان شارون يعرف تمام المعرفة ان الموقف الامريكي سيبقى متحفظاً فحسب». وكشف وزير الخارجية المصري أحمد ماهر أمس ان «هناك أفكاراً يتم تداولها في الأوساط الأمريكية استمعنا إلى بعضها وشجعنا البعض الآخر»، مشيراً إلى ان هذه الأفكار «لا تزال محل دراسة». لكن صحيفة «هآرتس» العبرية كشفت من جهتها أمس أن زيني يحمل مبادرة جديدة تتضمن تنازل إسرائيل عن مطلب أيام الهدوء السبعة والبدء فوراً بتطبيق خطتي تينيت وميتشيل مقابل اعتقال السلطة مطلوبين وجمع الأسلحة غير القانونية فيما يتولى زيني وفريق من مساعديه مراقبة تنفيذ ذلك. وتتضمن المبادرة أيضاً دعم المبادرة السعودية وخطة لترميم الاقتصاد الفلسطيني تبدأ بالإفراج عن أموال السلطة لدى إسرائيل. وقالت الصحيفة إن السفير الأمريكي لدى الدولة العبرية دان كريتس عرض هذه المبادرة على شارون ووزيري خارجيته شيمون بيريز وحربيته بنيامين بن اليعازر. وفي باريس طلبت فرنسا من الاسرائيليين والفلسطينيين «وضع حد فوراً» للتصعيد الدموي. وقال مساعد المتحدث باسم الخارجية الفرنسية برنار فاليرو «اننا ندعو الطرفين لوضع حد على الفور لهذا التصعيد الدموي الذي شهد خلال ايام سقوط عدد لا سابق له من الضحايا خصوصاً بين المدنيين والعاملين في المجال الانساني».