تواصلت تداعيات المبادرة السعودية في التفاعل امس حيث اعلن مفوض السياسة الخارجية الاوروبية خافيير سولانا ان الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي سيطرح مبادرته على القمة العربية المقبلة، في بيروت مارس المقبل، وبينما تواصل التأييد العربي والاوروبي والدولي للمبادرة وبرز اتجاه لتحويلها الى خطة سلام عربية شاملة تزايدت محاولات واشنطن وتل ابيب للالتفاف عليها أو افراغها من مضمونها، حيث اشترطت واشنطن استثناء سوريا منها في المرحلة الاولى على الاقل، في حين رفض رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون مبدأ الانسحاب الى حدود 4 يونيو 1967 كما تنص المبادرة مكرراً استعداده لمقابلة الامير عبدالله، وردت الرياض على دعاوى التطبيع الاسرائيلية بالاعلان ان دعوة تل ابيب للامير عبدالله أو مسئول سعودي لزيارة الارض المحتلة مرفوضة شكلاً وموضوعاً، مؤكدة ان الاصرار الاسرائيلي على اختزال المبادرة في عقد لقاءات ثنائية يكشف عن رفض اسرائيل للمبادرة وان الرياض متأكدة من ان حكومة شارون لن توافق عليها، وتزامن هذا الانتقاد السعودي مع انتقاد مصري مماثل حيث اتهم الرئيس المصري حسني مبارك شارون بأنه لا يملك أي خطة للسلام. (تفاصيل اخرى ص 23) فقد أكد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي لمفوض السياسة الخارجية الأوروبية خافيير سولانا خلال اجتماعه به امس في جدة، عزمه على تطوير طرحه لافكاره حول التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الاسرائيلي الشامل، وتحويلها الى مبادرة عربية تحظى بإجماع عربي، خلال قمة بيروت في 27 و28 مارس المقبل. وذكرت كريستينا جالاشي الناطقة بلسان سولانا، ان الامير عبدالله ابلغه انه عازم ومصمم على طرح مبادرته على قمة بيروت المقبلة. واوضحت ان ولي العهد السعودي طالب سولانا بدعم اوروبي لمبادرته التي تقضي بانسحاب اسرائيلي شامل من الاراضي العربية المحتلة عام 1967، بما فيها القدس والجولان مقابل التطبيع الشامل من جانب العواصم العربية. وذكرت المتحدثة ان الامير عبدالله اعرب عن قلقه للحصار الاسرائيلي لياسر عرفات في رام الله وقال أنه يعتبر ذلك «إذلالا». وقالت جالاتش ان سولانا اعرب من جانبه خلال الاجتماع عن تأييد الاتحاد الاوروبي الكامل للاقتراح السعودي واكد مجددا على وقف الاتحاد الرافض لحصار عرفات. وغادر سولانا جدة دون ان يتحدث الى الصحفيين لكن مسئولا سعوديا في جدة قال انه اعرب عن تأييده للخطة. وقال المسئول الذي طلب عدم ذكر اسمه «نتوقع من الاتحاد الاوروبي ان يقوم بدور اكبر في عملية السلام في الشرق الاوسط في ضوء المحادثات التي جرت اليوم (أمس)». وقال المسئول ان المحادثات تناولت ايضا امكانية طرح الخطة على القمة العربية التي ستعقد الشهر المقبل في بيروت مضيفا ان المملكة لم تقرر بعد ان كانت ستقدم على مثل هذا التحرك وقال المسئول «ونحن نؤكد مجددا ان تراجع تصعيد «العنف» في الاراضي الفلسطينية هو المفتاح لاي مبادرة». من جهة اخرى بدا أمس ان هناك تناغماً امريكياً اسرائيلياً لجهة الالتفاف على المبادرة السعودية. وقال ريتشارد باوتشر المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية ان «الاتفاق الشامل» في هذا الاطار يعني اتفاقا بين الاسرائيليين والفلسطينيين بشأن كل اوجه الصراع بين الجانبين بما في ذلك اللاجئون والقدس والامن والحدود. واضاف قائلا «الاقتراح السعودي... يتحدث في اغلبه عن قضية الحدود والتطبيع الكامل مقابل الانسحاب الكامل من وجهة نظرهم». ومضى قائلا «قضية الحدود من المقرر ان يتم التفاوض بشأنها بين الطرفين في اطار اتفاق سلام شامل بين الاسرائيليين والفلسطينيين... وهناك عدد من المسائل الصعبة تحتاج للمعالجة في هذا الصدد. انا لا اضيف سوريا في هذه المرحلة». وعندما استوضحه الصحافيون حول جملته الأخيرة قال باوتشر انه «يرغب في الا يلقي سوريا في الامر في هذه المرحلة مشيراً الى ان الموقف الامريكي ازاء المسار السوري لم يتغير وهو ان الباب مازال مفتوحاً للمناقشات أو المفاوضات. في موازة هذا الموقف أجهز ارييل شارون بدوره على المبادرة حين نقلت عنه الاذاعة العبرية امس قوله ان «اسرائيل ترفض الانسحاب الى حدود الرابع من يونيو عام 1967». لكن الدبلوماسية الاسرائيلية لجأت للاحتيال والخداع مجدداً حيث كشفت امس «هآرتس» ان شارون طلب من الرئيس المصري حسني مبارك خلال اتصالهما الهاتفي التوسط لعقد قمة سعودية اسرائيلية. كذلك عمد ثعلب هذه الدبلوماسية شيمون بيريز لمحاولة التسلل الى التطبيع أولاً عبر رسالة الى ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز حملها اليه امس المفوض الاوروبي خافيير سولانا. وقال بيريز امس لشبكة «فرانس ـ 2» حول المبادرة «هذه الخطة تنص على مرونة اكثر حول القدس ومواضيع اخرى». وبحسب بيريز فان تقاسم المدينة المقدسة سيتضمن الابقاء على «مواقع اسرائيلية في القدس الشرقية» حيث ستبقى بعض القطاعات «بين ايدي اسرائيل». واعتبر بيريز مرة جديدة اقتراح ولي العهد السعودي الامير عبد الله بن عبد العزيز بأنه «فرصة جيدة لاستئناف عملية السلام». وبخصوص المستوطنات الاسرائيلية اعلن بيريز ان الحل يقوم على «تبادل اراض» بين الاسرائيليين والفلسطينيين، مع اعترافه في الوقت نفسه بأن وضع المستوطنات اليهودية يشكل «واقعا من الصعب جدا تغييره». وازاء ردود الافعال الاسرائيلية الاولية نقلت صحيفة «عكاظ» امس عن وزير الداخلية السعودي الامير نايف بن عبد العزيز قوله «طالما ان العالم الغربي بهذا الشكل وهذا الواقع فإن اسرائيل ستضرب كل المبادرات وكل شيء بعرض الحائط». وكانت شبكة «سي.ان.ان» نقلت عن المبعوث السعودي الخاص الى واشنطن عادل جبير مطالبته الادارة الامريكية، بالتدخل والمشاركة في جهود السلام. وأكدت مصادر سعودية امس أن دعوة الحكومة الاسرائيلية للأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولى العهد السعودى لزيارة القدس مرفوضة شكلا وموضوعا، كما أكدت المصادر أن السعودية ترفض تماما عقد أى اجتماع سعودى اسرائيلى على أى مستوى سواء بشكل علنى أو سرى. وقالت هذه المصادر ان مبادرة الامير عبدالله حول الشرق الأوسط لاتعنى فتح حوار من جانب السعودية مع اسرائيل وأن تركيز حكومة شارون على دعوة الأمير عبدالله لزيارة القدس أو عقد لقاء بين مسئولين من الجانبين يعنى أن اسرائيل بدأت فى المماطلة والمراوغة واضاعة الوقت ومحاولة الخروج من المأزق الذى وضعتها فيه هذه المبادرة بعد أن أصبحت الكرة الان فى الملعب الاسرائيلى. وقالت المصادر ان على اسرائيل أن تثبت للعالم الذى أيد هذه المبادرة أنها ترغب فى السلام وتتخلى عن سياسة الاحتلال وتوسيع أراضيها على حساب جيرانها العرب. وأكدت المصادر السعودية أن التأييد واسع النطاق من كل دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لمبادرة الأمير عبدالله وضع شارون وحكومته فى مأزق من الصعب الخروج منه لان هذه الحكومة ليست حكومة سلام وأن شارون لايعتمد سوى سياسة العنف والقتل والارهاب ويدعمه فى ذلك التأييد الامريكى غير المحدود. وأشارت المصادر الى أن مبادرة الأمير عبدالله لن تجد استجابة حقيقية وصادقة من جانب حكومة شارون وأن نجاحها متوقف على تغيير هذه الحكومة والأمر يرجع للشعب الاسرائيلى الذى عليه أن يختار الحكومة القادرة بالفعل على تحقيق السلام. وتوقعت المصادر السعودية أن يتوافد على السعودية العديد من المسئولين العرب والاجانب خلال الايام القليلة المقبلة التي تسبق القمة العربية التى ستعقد فى لبنان حيث وصل المسئول الاوروبى خافيير سولانا لبحث المبادرة السعودية. كما توقعت المصادر السعودية أن يعلن القادة العرب خلال القمة العربية المقبلة فى لبنان اقرار مبادرة الامير عبدالله والعمل على تنفيذها فى أقرب وقت ممكن اذا صدقت نوايا اسرائيل فى التوجه نحو السلام. وأكدت المصادر فى ختام تصريحها أن السعودية لن تكون طرفا فى أى مفاوضات سلام مع اسرائيل اذ أنها ترى أن المفاوضات يجب أن تكون بين الاطراف المعنية بشكل عام. اما نبيل شعث وزير التخطيط الفلسطيني الذي يزور السعودية غداً للبحث في المبادرة فقد رجح ان يتمكن الرئيس عرفات من حضور القمة العربية المقبلة. واتهم وزير الاعلام الفلسطيني ياسر عبد ربه امس في القاهرة شارون بالسعي الى «جني ثمار» مبادرة السلام السعودية بدون ان يقدم شيئا للعرب في المقابل. وقال عبد ربه للصحافيين خلال توقف قصير في القاهرة قبل التوجه الى الاراضي المحتلة عن طريق الاردن «ان محاولة شارون تهدف الى جني ثمار الاعلان عن مبادرة الامير عبد الله بن عبد العزيز ولي عهد السعودية دون تقديم اي شيء للعرب». واشار عبد ربه الى ان «شارون يسعى الى استغلال هذه المبادرة لصالح اسرائيل عن طريق جعلها مادة للتفاوض بين السعودية واسرائيل وهو ما يعد نصرا» للدولة العبرية. واعلن الوزير الفلسطيني الاتي من موسكو ان «الاسرائيليين يحاولون التلاعب بالمبادرة بتحويلها الى خطوة شكلية». وقال وزير الخارجية الاردنى مروان المعشر قال من جهته ان المبادرة السعودية تقدم رؤية سياسية علاوة على الرؤية الامنية لحل النزاع فى الشرق الاوسط ومن ثم يمكن تطويرها الى مبادرة عربية لدفع عجلة السلام فى المنطقة. وأضاف الوزير الاردنى فى مؤتمر صحفى امس أن الاسابيع المقبلة ستشهد اتصالات مكثفة حول المبادرة السعودية استعدادا للقمة العربية وان كانت هناك بعض الجوانب فى هذه المبادرة تحتاج الى توضيح من أجل الحصول على اجماع عربى لتأييدها. في غضون ذلك انتقد الرئيس المصري حسني مبارك رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون قائلا انه «يحمل لا خطة سياسية». وقال مبارك في حديث صحفي تنشره جريدة «الاخبار اليوم» الخميس ان شارون ليس لديه سياسة أو خطة سياسية في حين انه اذا عمل الساسة تفكيرهم فانه يمكن التوصل الى حل. واضاف مبارك انه قرر السفر الى واشنطن ولقاء الرئيس بوش ليشرح له بأمانة وتفصيل الأبعاد الكاملة للموقف وحتى لاتتلقى الادارة الأمريكية معلوماتها من جهة واحدة تغذيهم بها. وردا على سؤال بشأن المبادرة السعودية قال مبارك انها «تأكيد على موقف ثابت اتخذه القادة العرب فى قمتهم بالقاهرة فى يونيو 1996 عندما أعلنوا تمسكهم بالسلام مع اسرائيل كخيار استراتيجى بشرط أن تنسحب اسرائيل من جميع الأراضى التى احتلتها عام 1967». واضاف «هذا موقف متخذ منذ عام 1996 وتعلمه اسرائيل جيدا منذ ذلك الوقت والمهم أن تنسحب اسرائيل من الارض. عليهم أن يعيدوا الارض وسوف تقيم الدول العربية علاقات معهم». من جهة اخرى اكد الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في ختام مباحثاته امس مع وزير خارجية الدنمارك «بيتر ميللر» بالقاهرة ان الرد الاوروبي على المبادرة السعودية يبعث على الارتياح. واضاف موسى امام الصحافيين ردا على سؤال حول تقييمه ردود الفعل الاسرائيلية والغربية على مبادرة ولي عهد السعودية الامير عبد الله بن عبد العزيز ان «رد الفعل الاوروبي ربما يبعث على الارتياح ولكن رد الفعل الاسرائيلي ليس واضحا». ورأت المفوضية الاوروبية ان العرض السعودي للسلام يكتسب «اهمية بالغة» ومن شأنه ان يؤدي الى انفراج الوضع بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وفق ما اكد امس ناطق باسم المفوضية في بروكسل. واكد الناطق باسم المفوض الاوروبي المكلف بالعلاقات الخارجية كريس باتن ان «مقترحات الامير عبدالله بالغة الاهمية ويمكنها المساعدة على الخروج من المأزق السياسي الذي تمر فيه المنطقة».
