انقلب العدوان الصهيوني المتواصل مأزقاً لارييل شارون من اتجاهين: داخلي يتمثل في تهديد وزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز بالانسحاب من الحكومة ما لم يوافق شارون على خطته مع أحمد قريع التي يتحفظ عليها رئيس الحكومة اليهودية المتطرفة، وخارجي يتمثل في هجوم السلام الاوروبي المقرون برفض انحياز ادارة بوش لعدوان شارون وحماية شرعية الرئيس ياسر عرفات والاتصالات الجارية لعقد مؤتمر دولي جديد للسلام، بدت مؤشرات مأزق شارون برفضه مقترحات باريس واعرابه عن أسفه لعدم اغتيال عرفات العام 1982 في بيروت وهو ما سارع الاتحاد الاوروبي لرفضه، وميدانياً استشهد عنصران من حماس بعد هجوم ناجح ضد احدى مستوطنات الاحتلال في غزة في حين واصلت اسرائيل قصف خانيونس وتشديد حصارها على معظم القطاع. وفي مواجهة العدوان المستمر تواصلت أمس المقاومة الفلسطينية للاحتلال بعملية تمكن خلالها مقاتلان من كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس من اجتياز التحصينات الأمنية واختراق أسوار مستوطنة جاني خال في قطاع غزة حيث فجرا عبوة ناسفة بحافلة للمستوطنين قبل ان يخوضا معركة مسلحة مع جنود الاحتلال لنصف ساعة أسفرت عن استشهادهما واصابات عتم عليها الجيش الاسرائيلي. وعلى الفور سارعت دبابات الاحتلال لاجتياح منطقة خانيونس جزئياً بعد قصفها بالأسلحة الثقيلة وأغلقت حاجز التفاح أمام حركة الفلسطينيين وعزلت منطقة الواصي عن المدينة. وأصيب مستوطن بجروح جراء سقوط قذيفتى هاون اطلقها مسلحون فلسطينيون على مستوطنة غوش قطيف. كما اطلق الفلسطينيون النار على مستوطنة بخانيونس وجرى بعدها تبادل لاطلاق النار بين مسلحين فلسطينيين وقوات الاحتلال فى نفس المنطقة. وقال راديو اسرائيل انه حتى مساء أمس لايزال قناصة فلسطينيون يطلقون النار على مواقع لقوات الاحتلال الا انه لم يبلغ عن وقوع اصابات. وأعلن جيش الاحتلال انه عثر على أربع منصات لاطلاق صواريخ «قسام -1» معدة للاستعمال قرب الدفيئات الزراعية التابعة لمستوطنة موراج في غوش قطيف بمحافظة رفح. واضاف الناطق الاسرائيلي انه تم اكتشاف هذه المنصات وهي مموهة بناء على معلومات استخبارية ومعلوم ان هذه الصواريخ من انتاج حركة حماس الاسلامية. وعقب العثور على المدافع الخمسة أعلنت مصادر عسكرية اسرائيلية ان المستوطنين في جنوب قطاع غزة تلقوا أمس أوامر بالنزول إلى الملاجئ خشية تعرضهم لاطلاق قذائف هاون. وأوضحت المصادر نفسها ان حالة الانذار مطبقة في مجمع مستوطنات غوش قطيف ومستوطنة موراج. وفى القدس اقترب شاب فلسطينى من حاجز عسكرى اسرائيلى واطلق النار على افراد حرس الحدود مما اسفر عن الحاق اضرار بسيارة كانت متوقفة هناك . كما هاجمت فتاة فلسطينية تبلغ من العمر خمسة عشر عاما فى مدينة القدس احد حراس الحدود بالسكين وتم القبض عليها. كما افادت مصادر عسكرية ان فلسطينيين اقتربا من المحيط الامني لمستوطنة عيلون موريه شرق نابلس بالضفة الغربية، اصيبا أمس برصاص المستوطنين. وأوضحت المصادر ذاتها ان فلسطينيا ثالثا كان مع الفلسطينيين الجريحين تمكن من الفرار. وقد عثر على سكين بحوزة احد الجريحين اللذين تلقيا العناية في المكان، وقدم الفلسطينيون الثلاثة من قرية عزموط القريبة غرب عيلون موريه شمال الضفة الغربية. وفي موازاة ذلك تتواصل الجهود الدبلوماسية التي بات الاتحاد الاوروبي رأس الحربة فيها حيث يجري بحث عقد مؤتمر دولي لأطراف عملية السلام لاخراجه من مأزقه الحالي بحسب وزير التخطيط الفلسطيني نبيل شعث الذي يزور ألمانيا. كما عكف المبعوثون الدوليون الى الشرق الاوسط امس في واشنطن على دراسة عدة خيارات لانقاذ عملية السلام منها خطة «بيريز ـ قريع» والمقترحات الفرنسية الاخيرة الخاصة باعلان الدولة الفلسطينية واجراء انتخابات عامة ومن ثم استئناف المفاوضات النهائية. وهنا بدأ مأزق شارون الذي أعلن بحسب صحيفة «معاريف» أمس رفضه للمقترحات الفرنسية وأعرب للصحيفة نفسها عن ندمه لعدم اغتيال ياسر عرفات خلال حصار بيروت في العام 1982 وانه لن يقبل سوى بدولة فلسطينية على اجزاء معزولة وبلا تسليح ومطابقة للمواصفات الاسرائيلية. ونقلت «معاريف» في هذا الاطار تحفظ شارون على خطة «بيريز ـ قريع» وهو ما دفع وزير خارجيته بحسب الصحيفة الى توجيه انذار لرئيس الوزراء الاسرائيلي مفاده انه سينسحب من حكومته خلال شهرين على أقصى حد اذا استمر التصعيد العسكري وعدم قبوله بخطته للسلام. كما انتقدت اسبانيا التي ترأس الدورة الحالية للاتحاد الاوروبي على لسان وزير خارجيتها جوزيب بيكيه قوله انها «تستحق ان نرفضها». وشدد بيكيه على أن الاتحاد الاوروبي اكد دعمه لعرفات والسلطة الفلسطينية، وطالب ببذل جهود مشتركة من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا والامم المتحدة والجامعة العربية لدفع مسيرة السلام في الشرق الاوسط. وقال بيكيه ان ثمة ضرورة ملحة لخلق افكار جديدة لانقاذ عملية السلام «المحتضرة». واضاف ان الظروف غير مؤاتية لعقد قمة للسلام. من جهته اعرب رئيس الحكومة الاسبانية خوسيه ماريا ازنار عن «تشاؤمه الشديد» حيال الوضع في الشرق الاوسط والذي «قد يتفاقم». اما صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين فقال من جهته «ان هذا التصريح يعني ان شارون نادم على عدم قتل عرفات وانه سيقتله الآن وهذا يدل على عقلية رجل مافيا ورجل عصابات وليس رئيس وزراء». ووصف نبيل أبو ردينة مستشار عرفات تصريحات شارون بأنها استفزازية و«لا تخدم الجهود الدولية المبذولة حالياً ولا شك انها تترك اثراً سلبياً على مجمل عملية السلام». وبعد محادثات مع وزير الخارجية الامريكي كولن باول أعرب خافيير سولانا المسئول الاعلى عن السياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي عن تأييده للسلطة الفلسطينية كشريك في عملية السلام في الشرق الاوسط. وقال سولانا للصحفيين «نعتبر .. وهذا هو موقفي في الاتحاد الاوروبي.. ان السلطة الفلسطينية ما زالت طرفا في الحوار.. طرفا انتخبه الشعب ونحن نود ان يستمر ذلك». واضاف قائلا «لكن يجب على الجميع ان يبذلوا الجهد حتى يكون ذلك التمثيل حقيقيا وتكون قدرة ذلك الطرف المحاور حقيقة واقعة». من جهته قال وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين خلال ندوة في باريس أمس «يجب ان نأخذ بجدية مشروع بيريز ـ ابو علاء» الذي اعده احمد قريع (ابو علاء) رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني واحد كبار المفاوضين ووزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز. واوضح فيدرين ان «الافكار الفرنسية المتعلقة بالاعتراف بدولة فلسطينية واجراء انتخابات في الاراضي الفلسطينية تهدف الى الاسهام في انجاح هذا المشروع». واضاف «لقد قدمنا هذه الافكار لاننا لا يمكن ان نبقى في الوضع الذي لا يطاق». وقال فيدرين في مقابلة اجرتها معه اذاعة «فرانس انفو» ردا على سؤال حول تواطؤ الادارة الامريكية المتزايد خلال الاسابيع الاخيرة مع مواقف رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون «انها مجازفة يقوم بها» الرئيس الامريكي جورج بوش. وتابع ان الامريكيين «لطالما ارادوا ان يكونوا (وسيطا نزيها) ليتمكنوا من التدخل بين الطرفين (الاسرائيلي والفلسطيني)، الا ان هذا يفرض عليهم عدم الانحياز بشكل تام الى موقف اي من الطرفين». واوضح «هناك تناقض يثير قلقنا في اوروبا، بين الهدف المعلن للرئيس بوش وهو المناداة بوجوب اقامة دولة فلسطين» ما سيسمح بصورة خاصة لـ «الدولة الاسرائيلية بالعيش في أمان، والسياسة المطبقة خلال الاسابيع الاخيرة». ورأى فيدرين ان المواقف الامريكية التي تمارس كل الضغط على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لن تمهد الطريق لاستئناف المفاوضات. واشار الى ضرورة «بدء مفاوضات سياسية واحلال الظروف الملائمة لولادة دولة فلسطينية». واضاف «ان اردنا التفاوض بشأن ضمانات حيوية لاسرائيل، علينا ان نفاوض محاورا وليس ان ندمره». وختم «هناك تناقض قوي (في السياسة الامريكية) حول هذه النقطة خلال الاسابيع الاخيرة، والاوروبيون لا يتبنون هذا الخط». رام الله ـ عبدالرحيم الريماوي _ غزة ـ ماهر ابراهيم والوكالات: