بثت محطة «ان بي سي» الإخبارية الامريكية تقريراً متلفزاً لمراسلها العسكري في أفغانستان، بريستون ميندنهال، وقد استعرض فيه حالة الجندي الامريكي الأفغاني الأصل أجمل أتشكيزاي الذي كان يبلغ من العمر خمسة أعوام عندما شاهد أفغانستان للمرة الأخيرة وكانت أمه تحتضنه آنذاك حال فرارها من الغزو السوفييتي، وبعد مرور 21 عاماً، كان أتشكيزاي على متن إحدى السفن قبالة ساحل أستراليا عندما تلقى أمراً بالعودة إلى أفغانستان ـ لكن هذه المرة برتبة «رقيب أول» في مشاة البحرية الامريكية ـ للمساعدة في تخليصها من حركة طالبان. وعندما كان يجلس أتشكيزاي في «الحوش» أو مكان نوم قوات مشاة البحرية (المارينز)، لم تسعفه الكلمات للتعبير عن مشاعره بعد شهرين تقريباً من نزوله في الدولة التي كانت أسرته بحاجة ملحة للهرب منها منذ عقدين إلا أنه قال في إيجاز «إنني جزء من التاريخ». وفي حقيقة الأمر، أن أتشكيزاي له تاريخ يفوق بقليل ما لباقي أقرانه في فرقة مشاة البحرية، التي يبلغ قوامها 2200 فرد ، والمتمركزة في القاعدة الجوية في قندهار. وعندما يذكر أتشكيزاي اسمه للمواطنين الأفغان الذين يعملون في المطار تتلألأ وجوههم. وتنتمي عائلة أتشكيزاي لواحدة من أكثر القبائل شهرة في أفغانستان، كما أن القاعدة الجوية في قندهار مقامة على أراض مملوكة لتلك القبيلة التي ينتمي إليها الجندي الذي يبلغ من العمر 26 عاماً، ويقول أتشكيزاي عندما يسمع الناس المحيطين بى اسمي يقولون: أنت واحد منا». غير أن هذا الجندى الذي يتسم بالطول والنحافة، حيث يبلغ طوله 26 قدماً، لا يبدو بأي حال من الأحوال مشابها لباقي مواطني أفغانستان في الوقت الحالي، فإن ملابسه العسكرية وبنيته البدنية تجعلانه مختلفا عن باقي أقرانه من الأفغان الذين يرتدون ثياباًتقليدية تعرف باسم «قميص شالور». وكان أتشكيزاي، قبل بعثته إلى أفغانستان، يقضي وقت فراغه في متابعة عودة مايكل جوردان إلى ممارسة كرة السلة والمساعدة في أعمال أسرته في «سالت ليك سيتي». ويصطبغ سلوكه بالصبغة الامريكية بصورة كاملة وواضحة مما يجعله صورة مثيرة أمام مواطني واحدة من أكثر دول العالم فقراً. وقد أخذت رحلة عائلة أتشكيزاي أخاه ووالديه إلى باكستان ونيويورك وكاليفورنيا قبل الاستقرار في ولاية يوتاه حيث اعتنق اللاجئون من البقعة الأفغانية التي أصابتها ويلات الحروب، فكرة الحلم الامريكي. وعلى الرغم من أن أتشكيزاي يصف والده، وهو أستاذ سابق في جامعة كابول، بأنه «سُحق» بسبب إنهاء وظيفته الأكاديمية إلا أنه افتتح مطعماً للبيتزا في «سالت ليك سيتي» للوفاء بالمتطلبات المالية للأسرة. وتعمل والدته، جولي، في سوبر ماركت محلي في نوردستروم. ويقول أتشكيزاي إن «والده كان يبذل جهداً شاقاً من أجل تأمين حياتنا» وأضاف «علمنا أن نحترم الحياة ونقدرها. وأسقط كلمة الفشل من قاموسه». وفي أفغانستان، اكتشف أتشكيزاي أن صفة القدرة على التحمل، التي ورثها كما يقول عن والده، تم اختبارها في الحال. وعندما وصل إلى البلاد في 20 نوفمبر، عمل كاتباً بدائرة الإمدادات في «وحدة المهام الخاصة بمشاة البحرية » في أفغانستان، ولكن بعيداً عن ميدان القتال. بيد أن معرفة أتشكيزاي بلغتي الباشتو والداري، وهما اللغتان الشهيرتان في أفغانستان واللتان تعلمهما عن طريق والدته، جعلته لا غنى عنه لمشاة البحرية وللقوات الخاصة الامريكية التي تعمل بصورة سرية في أفغانستان. ويتذكر أتشكيزاي رحلته إلى مكتب التجنيد التابع لمشاة البحرية منذ عامين عندما لم يظهر مسئول التجنيد سوى اهتمام عابر بقدراته اللغوية. وقبل الحادي عشر من سبتمبر، عندما اقترح عليه ضابطه الأعلى عنه أن يجتاز اختبارات إتقان لغتي الباشتو والداري، وجد أتشكيزاي أن مشاة البحرية لا يطلبون كفاءات في أي من هاتين اللغتين. ومع ذلك فإن قدرة أتشكيزاي على الاتصال مع الأفغان تتعدى حدود المهارات اللغوية البسيطة، فهو يقول أن والديه أصرا على أن تكون ثقافته الأفغانية جزءاً من شبابه. ويصف أتشكيزاي أول لقاء له مع الأفغان بأنه أشبه بزيارة لكوكب آخر، فبعد قضاء أسابيع عديدة في «كامب رينو»، وهي القاعدة الامريكية المؤقتة في جنوب أفغانستان، تحرك مشاة البحرية شمالاً لتأمين مطار قندهار. وعلى طول الطريق تاه أتشكيزاي مع وحدته. وقال أتشكيزاي «سألنا بعض المواطنين عن الاتجاهات إلا أن الغالبية كانت خائفة جداً من الحديث معنا، وفي النهاية، قال رجل كبير في السن انه سيقدم المساعدة وقادنا إلى المكان الذي نحتاج الذهاب إليه، وقد تأثرت حقاً في هذه اللحظة بعودتي مرة أخرى إلى أفغانستان، نظرت حولي ورأيت أناساً حفاة وأدركت على الفور سبب تأثري». وبمتابعة الأحداث الأفغانية عن بعد، قال أتشكيزاي إن المحظورات التي فرضتها طالبان على الحريات المدنية الأساسية باسم الإسلام جعلته يشعر بالغضب، وأضاف إن «طالبان كانت تستغل الإسلام، ولم يكن الإسلام هو الذي أشعرني بالغضب». وأتشكيزاي مرتبط بمشاة البحرية لمدة أربع سنوات، وبعدما قضى عامين، يقول انه من الصعب توقع ماذا سيحدث في المستقبل. ولكنه ينوي الاستمرار في الاشتراك في تعمير أفغانستان. وأضاف «أريد أن أعود وأن أساعد بشكل ما، وسواء ظللت في مشاة البحرية أو رحلت، فسوف أكون قادراً على مساعدة بلدي. لقد تعلمت كيف أقدر الحياة بالفعل، ووجودي هنا يزيد من تقديري لها»، ويختتم أتشكيزاي قائلاً لمراسل المحطة الامريكية: «في النهاية، جئت وأنا كبير إلى الأرض التي ولدت فيها». ـ إيلاف