تزايدت المخاوف امس من انزلاق السلطة الفلسطينية الى فخ ارييل شارون الرامي لاحداث فتنة فلسطينية داخلية تبرر عدوانه ورفضه لخيار السلام. فقد أجلت الحكومة الاسرائيلية اجتماعها حول القرار الاستراتيجي تجاه السلطة في انتظار ما ستسفر عنه خطوة الاخيرة باعتقال امين عام الجبهة الشعبية احمد سعدات الذي وصفت اسرائيل قرار اعتقاله بأنه مسرحي وغير كاف، في حين رحبت واشنطن بالاجراء وصفة اياه بانه خطوة في الاتجاه الصحيح. وطالبت الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بالمزيد وبرر الاخير الاجراء بأنه بهدف معرفة مكان منفذي عملية تصفية الوزير زئيفي. لكن الاعتقال اشعل مظاهرات ضد السلطة ولقيت شجباً من المعارضة التي لوحت بأن «السلطة تحفر قبرها بيدها» وانها في حالة طلاق سياسي تام مع السلطة الآن، لكنها تمسكت بخيار الرد ضد الاحتلال الذي مضى في الترويج للانفجار بزعم موجة هجمات قادمة وتطوير السلطة صواريخ لضرب مطار تل أبيب، في وقت سارع تكتل الليكود الى قرار مبدئي يحظر قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وبينما رفض الرئيس المصري حسني مبارك طرح مبادرات جديدة بدأ مساعد وزير الخارجية الامريكي وليام بيرنز زيارة مفاجئة لتل أبيب. وانتقلت بؤرة الصراع أمس الى الوضع الفلسطيني الداخلي حين فشل لقاء الرئيس ياسر عرفات مع عبدالرحيم ملوح القيادي البارز في الجبهة الشعبية في احتواء تداعيات اقدام اجهزة الامن الفلسطينية الليلة قبل الماضية على اعتقال زعيم الجبهة احمد سعدات بعد استدراجه الى لقاء مع مدير المخابرات الفلسطينية توفيق الطيراوي في فندق. وقال عرفات لوفد الجبهة ان «سعدات سيكون ضيفنا لعدة ايام». وسرعان ما خرجت مظاهرات في رام الله وبيت لحم وغزة ضد اعتقال سعدات الى جانب بيان للفصائل الوطنية والاسلامية التي تقود الانتفاضة شجبت فيه هذا الاعتقال محذرة من خطورته. وسارعت فصائل المعارضة الفلسطينية التي تتخذ من دمشق مقراً لها لعقد اجتماع طارئ لتدارس هذه الخطوة التي اعتبرتها «انقلاباً خطيراً على الانتفاضة» و«رضوخاً للضغوط الامريكية والاسرائيلية». وقال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس «ندين بشدة عملية الاعتقال ونقول اذا استمرت السلطة بهذا النهج فانها تحفر قبرها بيدها». واضاف «ستستمر المقاومة بكافة اشكالها». وسئل عما اذا كانت العمليات الاستشهادية ستكون جزءا من عمل المقاومة الان فقال «طبعا انها حق المقاومة المشروع وخيار مفتوح لكل قوى شعبنا». كما وصف مشعل قرار الاعتقال بأنه «غير وطني وتنفيذ لقرار صهيوني اسرائيلي من شأنه أن يضر بالوحدة الوطنية الفلسطينية». ودعا الى تحرك فلسطيني ميداني لارغام السلطة على الافراج عن سعدات وكل «المعتقلين من كافة الفصائل الفلسطينية». وحذر عبدالله شلح زعيم حركة الجهاد الاسلامي من جهته من المخطط الاسرائيلي لتحويل الصراع الى فلسطيني فلسطيني لكنه ومشعل اكدا ان بنادق المقاومة ستبقى موجهة ضد الاحتلال، فيما دعا ماهر الطاهر الناطق باسم «الشعبية» فلسطينيي الداخل والشتات للتظاهر ضد هذه الخطوة. وقد أعلنت المنظمات الفلسطينية الرئيسية في دمشق انها ستكثف عملياتها ضد اسرائيل ردا على اعتقال سعدات من قبل السلطة الفلسطينية. واكدت هذه المنظمات ان هذا الاعتقال، يشكل طلاقا سياسيا تاما بينها وبين السلطة الفلسطينية، ولكنها استبعدت اي مواجهة مسلحة بين الفلسطينيين، مكتفية بالحث على القيام «بتحرك شعبي في الداخل» بهدف الافراج عن سعدات. واعتبرت عشر منظمات فلسطينية في بيان لها نشر في ختام لقائها ان «عملية الاعتقال هذه تأتي في سياق سلسلة من الاجراءات التي اقدمت عليها السلطة الفلسطينية ضد مناضلي وكوادر وقياديي العديد من الفصائل الفلسطينية التي ترى ان على السلطة الفلسطينية ان تدرك ان ما اقدمت عليه سيضعها في مواجهة سياسية شاملة مع كافة القوى الوطنية والاسلامية دون استثناء ومع الشعب الفلسطيني بأسره». واضاف بيان المنظمات الفلسطينية الذي تلاه المتحدث باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعضو مجلسها السياسي ماهر الطاهر ان اعتقال احمد سعدات «لن يزيدنا الا اصرارا على مواصلة الكفاح والمقاومة والانتفاضة حتى يتم دحر الاحتلال وطرد اخر جندي اسرائيلي عن ارضنا وبلادنا». واضاف «اننا ندعو الى اوسع حملة تضامن فلسطينية عربية اسلامية ضد الاجراءات السلطوية الفلسطينية التي اتخذت في الاونة الاخيرة وضد العديد من الفصائل الفلسطينية». وتابع «اننا لا نجد الكلمات المعبرة عن حجم سخطنا وغضبنا واستنكارنا لعملية الاعتقال». وبدا ان خطوة السلطة هذه لم تفلح في زحزحة شارون عن تعنته حيث اكدت مصادره العسكرية ان جيش الاحتلال سيرد على قتل مستوطنين خلال اليومين الماضيين. كما أعلن شارون ان اعتقال سعدات «جزءاً من مملكة الكذب التي أنشأها عرفات» فيما اوضح مسئول في حكومته ان هذه الخطوة لن تؤدي الى فك حصار الرئيس الفلسطيني مشيراً الى مطالبة اسرائيل باعتقال ثلاثة آخرين تورطوا في تصفية رحبعام زئيفي. وزعم قائد جيش الاحتلال شاؤول موفاز الليلة قبل الماضية خلال اجتماع لجنة الكنيست للشئون الخارجية والدفاع ان حماس والجهاد «تلقتا الضوء الاخضر لتنفيذ اعتداءات في الاراضي (المحتلة) وفي قلب اسرائيل». واضاف موفاز «لقد حصلت اجهزة الامن (الاسرائيلية) على عدة معلومات» بهذا الصدد. من جهة اخرى اشار موفاز الى ان السلطة الفلسطينية تتابع جهودها في تطوير مدفع الهاون قسام-2 لقصف عمق الاراضي الاسرائيلية «وخاصة مطار تل ابيب الدولي». وتابع ان هذا المدفع المتوفر في قطاع غزة والضفة الغربية يبلغ مداه من سبعة الى ثمانية كيلومترات وبامكانه اطلاق قذائف تحمل 5 كلج من المتفجرات. وفي انتظار نتائج مخطط الفتنة الفلسطينية الداخلية قررت حكومة شارون تأجيل اجتماع الأمس المخصص لاتخاذ قرار استراتيجي بشأن السلطة الى الاسبوع المقبل. واوضح رئيس اللجنة البرلمانية للشئون الخارجية والدفاع ديفيد ماجن ان النقاش الذي ارجئ يحمل اهمية اساسية لمستقبل اسرائيل. وقال في تصريح للاذاعة ان «النقاش الاستراتيجي الذي كان مقررا في الحكومة حاسم في زمن مكافحة الارهاب، حيث دخلت سوريا مجلس الامن الدولي واوصى البرلمان الاوروبي بتحسين العلاقات مع ايران». وتابع ان «الخطر الاكبر بالنسبة لنا هو ايران مركز الارهاب الدولي، حيث يؤكدون علنا على وجوب محو اسرائيل عن وجه الارض». واضاف ان البعض في سوريا يعتبر انه «لا يمكن هزم اسرائيل عسكريا بسبب تقدمها التقني، الا انه من الممكن هدم اقتصادها بواسطة الارهاب». واعتبر ان على اسرائيل «اعادة النظر في استراتيجيتها واتخاذ القرارات اللازمة لان ثمة العديد من العناصر الجديدة التي ينبغي اخذها بعين الاعتبار». وبدت ملامح القرار الاستراتيجي هذا امس حين اقر الجهاز التنفيذي في حزب الليكود بزعامة شارون وبالاجماع قراراً يحظر قيام الدولة الفلسطينية تمهيداً لعرضه على اللجنة المركزية للحزب. وامام هذه التطورات بدأ مساعد وزير الخارجية الامريكي وليام بيرنز زيارة مفاجئة لاسرائيل لم تكن مقررة اصلاً وذلك بعد ساعات من اعلان الخارجية الامريكية ان مقتل اسرائيلي يحمل جواز سفر امريكياً امس الاول يبرز ضرورة تنفيذ خطة تينيت وتوصيات ميتشيل فوراً. وعقب لقائه وزير الخارجية الاسباني جوزيب بيكيه في القاهرة أمس قال الرئيس المصري حسني مبارك انه يجب «ألا نبدأ من فراغ بأي مبادرات جديدة لان هذا يمثل مضيعة للوقت كما ان الموقف لا يحتمل مثل هذه الموضوعات لطرح مبادرة جديدة». واضاف «لكن الامر يحتاج الى تفعيل تقرير لجنة ميتشيل وتوصيات تينيت لانه يمكن بدء التعامل مع الطرفين من خلالهما». وحذر من «خطورة استمرار ممارسة الحكومة الاسرائيلية لاعمال الهدم والجرف والقتل والعدوان لان نتائجها ستكون المزيد من العنف الذي سيعكس مخاطر كبيرة على المنطقة بأكملها وعلى امن العالم واستقراره». ودعا الرئيس المصري «المجتمع الدولي الى عدم الوقوف موقف المتفرج لان هناك شرعية دولية يتم اهدارها وان الانحياز الى اسرائيل، خطأ او صواب، ستكون له اثاره المدمرة على عملية السلام»، موضحا ان «الرأي العام العربي لا يستطيع ابدا تقبل ما يجري». رام الله ـ عبدالرحيم الريماوي _ غزة ـ ماهر ابراهيم والوكالات:
مظاهرات في الضفة وغزة والمعارضة تحذر السلطة من حفر قبرها بيدها، اعتقال سعدات يهدد باشعال الفتنة الفلسطينية، شارون يرفض فك حصار عرفات ويهيئ لحظر الدولة المستقلة
