عادت الضغوط الأمريكية مجدداً لتحاصر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بعد عملية حماس الأخيرة والتي تبعها اعلان حركة الجهاد الاسلامي عدولها عن قرار الهدنة، حيث سربت واشنطن اشارات الى تحميل عرفات مسئولية جزئية عن «سفينة السلاح» والتلويح باعلان موقف مضاد له ومطالبته باعتقال من يقف وراءها وتشديد حملته ضد حماس والجهاد، في وقت ينتظر جيش الاحتلال تحسن الطقس لبدء عدوان واسع رداً على عملية رفح، لكنه عمد في هذه الاثناء الى الانتقام من المدنيين حيث دمر منطقة سكنية بأكملها تضم 73 منزلاً وشرد نحو 120 عائلة تحت المطر. لكن ورغم هذه التطورات تبدو الادارة الامريكية معنية بمواصلة مهمة مبعوثها انتوني زيني للتهدئة بالتزامن مع تقارير عن اعداد وزير الحربية وزعيم حزب العمل الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر خطة جديدة سيعرضها على واشنطن، جوهرها الانسحاب من غزة اولاً الى مناطق ما قبل 28 سبتمبر، اضافة لمقترحات لم تعلن حول السلام مع سوريا. ويبدو ان الهجوم المسلح الذي نفذه مقاتلان من كتائب القسام الجناح العسكري لحماس قرب المنطقة الجنوبية لقطاع غزة وأسفر عن مقتل أربعة جنود اسرائيليين دفع الادارة الامريكية لتشديد الضغوط على عرفات عبر تصعيد «مسرحية السفينة». وسارع المتحدث باسم البيت الأبيض آري فيشر الليلة قبل الماضية للاعلان بأن شحنة السلاح «كانت مرسلة الى الفلسطينيين»، مضيفاً ان على عرفات ان يثبت انه «رجل سلم وليس رجل حرب». لكن فيشر امتنع عن ربط السفينة بعرفات علانية انسجاماً مع توجه ادارة بوش «بتشديد الضغط على عرفات لقمع الارهاب بشكل غير علني» حسبما ذكرته صحيفة «يديعوت احرونوت» امس. وفي اطار هذا التوجه تولى مسئول امريكي من دون ذكر اسمه تسريب موقف ضاغط على الرئيس الفلسطيني لوكالات الانباء تضمن تحميل عرفات جزءاً من المسئولية عن سفينة السلاح. ولم يقل المسئول مباشرة ان عرفات أمر بالشحنة لكنه قال انه يبدو ان الترتيب لأمر الشحنة يتضمن «قرارات وأعمالاً ذات طبيعة تجعل المرء يفترض انها اتخذت حتما على أعلى مستوى»، وذلك بعد اجتماعات مع وفد استخباري اسرائيلي الليلة قبل الماضية. واضاف قوله «من المعلومات التي قدمها الاسرائيليون تراودنا شبهات قوية على ان عرفات كان على علم بأمر الشحنة». وقال المسئول الرفيع ان حكومة الرئيس جورج بوش تطالب عرفات ان «يمنع الناس الذين يفعلون هذا ومن ذلك قطع الاجزاء المتورطة من حركة فتح» وكذلك شن حملة على الجماعات الاسلامية المتشددة مثل حماس وحزب الله. وقال مسئولون امريكيون انهم مقتنعون ايضاً ان الشحنة مصدرها ايران وان هذا دليل آخر على ان ايران «تساند العنف والارهاب». وكان كولن باول وزير الخارجية الامريكي قال لشبكة «ام.بي.سي» ان على عرفات تقديم ادلته بشكل عاجل ومواجهة الأدلة التي قدمها الاسرائيليون حول هذه السفينة. واضاف قوله «وحينما تتكشف تلك المعلومات فإن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي يمكنهم اصدار حكم ولكن الآن فإني اعتقد ان حملاً ثقيلاً يقع على عاتق عرفات لمواجهة هذه التهم». وبعد حماس سارعت حركة الجهاد الاسلامي لتصعيد التحديات التي تواجه عرفات باعلانها في «بيان» بثته فضائية الجزيرة تنصلها من اتفاقها مع السلطة الفلسطينية المتمثل في قرارها وقف النار مؤكدة انها ستستأنف المقاومة حيث طالبت السلطة بوقف اجراءاتها «القمعية» وهو القرار الذي عزاه مراقبون الى مزاحمة الجهاد لنجومية حماس القتالية. في غضون ذلك ومع تأكيد المصادر الاسرائيلية ان جيش ارييل شارون ينتظر تحسن الاحوال الجوية للبدء في رده الانتقامي الواسع الذي يستهدف كما هو متوقع الشرطة البحرية الفلسطينية وغيرها من المؤسسات الفلسطينية فإن هذا الجيش عمد الى تفريغ حقده آنيا ضد المدنيين، حيث اجتاح فجر امس منطقة سكنية كاملة في مخيم رفح الذي يتحدر منه منفذا العملية الاخيرة وتركها انقاضاً. وكانت مشاهد الأطفال والنساء بين انقاضهم تحت المطر والبرد القاسي شاهدة على ارهاب الدولة الاسرائيلية. واعلن مجيد الاغا محافظ رفح لفرانس برس ان «العملية العدوانية الاسرائيلية اسفرت عن تدمير 73 منزلا وتشريد 123 عائلة». وقال ان بلدية رفح تعجز عن تأمين المأوى لهذه العائلات وعليه اعلنت المنطقة «منكوبة وطالبت بتأمين مساعدات عاجلة». واوضح ان «الرئيس ياسر عرفات اصدر اوامر عاجلة لتقديم المساعدات اللازمة للعوائل المنكوبة والتي سيتم ايواؤها مؤقتا في عدة مدارس». وكانت دبابات الاحتلال احتلت ايضاً ثلاثة مواقع للشرطة البحرية الفلسطينية في رفح وخانيونس بقطاع غزة اضافة لتدمير ميناء للصيادين. ورغم هذا التصعيد الا ان خيار الحل الدبلوماسي بقي قائماً رغم الضغوط الامريكية المتصاعدة على خلفية العملية الاخيرة وسفينة الاسلحة التي تناست واشنطن خلال ادانتها انها تمد اسرائيل سنوياً بما قيمته مليارا دولار من الأسلحة تستخدمها ضد المدنيين الفلسطينيين. ففيما كان ريتشارد باوتشر المتحدث باسم الخارجية الامريكية يلمح الليلة قبل الماضية الى اعلان موقف مضاد لعرفات حال ثبوت تورطه بمسرحية السفينة إلا انه سارع للتأكيد ان واشنطن ماضية في جهود الوساطة وان مبعوثها انتوني زيني سيواصل مهمته الرامية لوقف النار واستئناف المفاوضات. ودعم هذا التوجه اشارات تهدئة اسرائيلية ابرزها مهاجمة وزير العلوم الاسرائيلي ماتان فلنائي شارون لتحميله عرفات مسئولية عملية رفح. ونقلت الاذاعة العبرية عن فلنائي قوله ان عرفات «بالكاد يسيطر على قواته فكيف به يسيطر على القوى الاخرى» وذلك في اشارة الى حركتي (حماس) و(الجهاد الاسلامي). واضاف «كنا في الضفة الغربية وقطاع غزة ولم نقم فقط بجهد مئة بالمئة بل بجهد مئتين بالمئة ومع ذلك وقعت أعمال ارهابية». وقال «ان هناك هجمات تقع ضد اسرائيل ونحن نسارع بإلقاء اللوم على عرفات بسببها». كذلك ذكرت صحيفة (هآرتس) العبرية امس ان وزير الحربية ورئيس حزب العمل الاسرائيلي الجديد بنيامين بن اليعازر يعكف هذه الايام على بلورة خطة سياسية قالت انه سيعرضها على كبار المسئولين في الولايات المتحدة لدى زيارته واشنطن مطلع الشهر المقبل. وقالت الصحيفة ان الخطة ترتكز على ايجاد الظروف الملائمة لتحريك المسيرة السياسية مع الفلسطينيين ومع سوريا. واضافت ان زعيم حزب العمل يقترح في خطته تطبيق وقف اطلاق النار في قطاع غزة اولاً بحيث تنسحب اسرائيل الى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل بدء الانتفاضة الفلسطينية في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000 في حين تتولى أجهزة الأمن الفلسطينية مسئولية الحفاظ على الهدوء والعمل ضد المنظمات التي لا تلتزم بوقف اطلاق النار. واشارت الى انه سيتم تطبيق الخطة في الضفة الغربية في مرحلة لاحقة وبصورة تدريجية. ولم تتطرق الصحيفة الى ماهية الخطوات لاستئناف عملية السلام مع سوريا والتي توقفت منذ يناير عام 1999. وقالت (هآرتس) ان بن اليعازر نقل مقترحاته هذه الى رئيسي جهاز الامن الوقائي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة جبريل الرجوب ومحمد دحلان واللذين امتنعا حتى الآن عن رفضها أو قبولها. القدس ـ «البيان» والوكالات:
الاحتلال يدمر 73 منزلاً ويشرد 120 عائلة في انتظار الارهاب الصهيوني الواسع، واشنطن تهدد بتغيير موقفها من عرفات، «الجهاد» توقف العمل بالهدنة وبن اليعازر يروج لخطة سلام جديدة
