قبل أيام كان الفلسطينيون يخرجون في مواكب جنازات الشهداء الذين سقطوا برصاص ارهاب شارون وقدموا نحو ألف شهيد في طريق تحقيق مشروعهم الوطني. وبالأمس «زادوا» ستة، لكن هذه المرة بالاقتتال الداخلي بين السلطة الفلسطينية وكتائب الانتفاضة الذي يحقق بقصد أو بغير قصد حلم شارون في اشعال حرب أهلية فلسطينية تحصد الأخضر واليابس. ورغم ادراك الجميع للضغط الهائل على السلطة الفلسطينية لتهدئة الأوضاع والعودة إلى التفاوض ومسار التسوية فإن معالجة كالتي تنفذها السلطة لضبط الأوضاع وكما يفعل المحتل وضعت نفسها بامتياز، وهي لا تريد ذلك بالتأكيد، في صف العدو الذي يقف الآن متفرجاً فرحاً ويطالب بكل وقاحة بالمزيد ويحرض على الفتنة والحرب الأهلية. ان ادارة السلطة الفلسطينية لهذه الأزمة تحت وطأة الضغط السياسي الدولي والعسكري الاسرائيلي بهذه القسوة يقدم خدمات مجانية لحكومة شارون كانت تحلم بها ولا يخدم مطلقاً أي هدف فلسطيني مرحلي أو استراتيجي، ومن هذه الخدمات: ـ توجيه البندقية الفلسطينية والحجر الفلسطيني اللذين زلزلا حكومات الاحتلال إلى الداخل الفلسطيني وهو ما يعني نهاية الانتفاضة والدخول في اقتتال داخلي ربما يتطور إلى حرب أهلية تعصف بالوحدة الوطنية التي كانت أبرز تجليات الانتفاضة. ـ والحرب الأهلية التي طالما تمناها شارون وما زال يدفع الأمور باتجاهها هي انتحار سياسي بل هي تفجير لكل الأهداف الوطنية مما يعني ان كل شيء ينهار حتى الحلم سيتبخر. ـ والوصول إلى هذا الحال سيدفع بحكومة مثل التي يقودها شارون إلى التحلل من أية التزامات سابقة أو أية ضغوط دولية مقبلة لتقديم تنازلات في أوضاع غير مستقرة وربما تخرج من أدراجها مشاريع «الترانسفير» (التسفير) لأن ظرفاً كهذا يخدم تلك المخططات. ـ كما ان مثل هذه الأوضاع ربما تقود الى انهيار أمني أو فراغ أمني في مناطق السلطة الفلسطينية ربما يدفع اسرائيل الى اعادة احتلال تلك المناطق دون اعتراض دولي في مثل هذه الحالات. ـ وربما تستغل اسرائيل مثل هذه الظروف للقيام بجرائم اغتيالات وتصفيات بالجملة لقيادات ورموز فلسطينية ثم تلصق التهمة بالفلسطينيين أنفسهم اشعالاً للفتنة والاقتتال الداخلي. ـ اسقاط حق المقاومة وإلغاؤه دون تحقيق أي مكسب وإلغاء الوجود السياسي والعسكري لحركات المقاومة الفلسطينية التي تكتسب شرعيتها ووجودها واستمراريتها من استمرار الاحتلال الذي ما زال جاثماً على صدر الشعب والأرض والسلطة. وواهم من يعتقد ان مثل هذه الأعمال ترضي اسرائيل ومن خلفها فهي تريد المزيد من الدم الفلسطيني المسال، حيث شككت أمس باعلان هدنة حماس بوقف عملياتها الاستشهادية وحرضت السلطة ضد الحركة وقالت بعد مقتل الفلسطينيين الخمسة ان هذا غير كاف مطالبة بتفكيك حماس وحركة الجهاد باعتبارهما شبكتي «ارهاب» بالقاموس الاسرائيلي وهو ما يعني اذا رضخت السلطة لذلك، المزيد من القتل والبطش. لقد كان الأجدى بالسلطة ومسئوليها قيادة حوار وطني تشارك فيه كل القوى الوطنية والإسلامية وفعاليات الانتفاضة وصولاً لاجماع وطني على خطة تحرك يشارك فيها الجميع في هذا الظرف الدولي والاقليمي الصعب وعلى السلطة التخلي عن حساسية تشكيل حكومة طوارئ تشارك فيها كل القوى، التي شاركت في الانتفاضة وقدمت التضحيات من كوادرها، ففي هذه الحالة يكون القرار السياسي منسجماً تماماً مع الوضع الميداني على الأرض المحتلة بدلاً من تلك المعالجات الكارثية التي تثير التساؤلات وعلامات الاستفهام حول السلطة التي كانت بالأمس تطلب دعماً لصمود واستمرار الانتفاضة واليوم تنفذ سياسة المحتل. إن معالجة مثل التي تجري هي معالجات كارثية يجب ان تتوقف فوراً ومحاكمة المسئولين عن جرائم القتل ومعاقبتهم والتوقف عن معاملة حركتي حماس والجهاد كحركتي «ارهاب» كما تطالب اسرائيل، وافساح المجال أمام الوساطات المخلصة التي تحفظ للانتفاضة استمرارها وللسلطة هيبتها وللشعب الفلسطيني حلمه المشروع.