شنت حكومة الاحتلال الاسرائيلية أعنف عدوان شامل ضد الفلسطينيين منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر قبل الماضي، معتمدة منطق الحديد والنار ومؤكدة تخليها رسمياً عن كل ما يمت لعملية السلام بصلة وبدء الخطوات الفعلية في تدمير السلطة الفلسطينية. وجاء العدوان الاسرائيلي المبيت على شقين أولهما سياسي بسحب اعترافها بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وقطع اتصالاتها معه ومحاصرته في مقره برام الله وتهديدها بطرده الى تونس، والشق الثاني تمثل في اوسع عدوان جوي وبري وبحري ادى الى تدمير أكثر من نصف مقرات السلطة الفلسطينية اضافة الى مركز البث الاذاعي والتلفزيوني وتعطيل شبكة الاتصالات وتدمير ما تبقى من مطار غزة، كما اعادت القوات الاسرائيلية احتلال العديد من مدن وقرى الضفة والقطاع رافعة علمها على بعض مواقع السلطة كما شنت مروحياتها ومقاتلاتها من طراز اف 16 عدواناً على جنين ورام الله وغزة وعاثت في الارض فساداً ما ادى الى سقوط 7 شهداء وعشرات الجرحى بينهم اطفال. ولم يجد العدوان الاسرائيلي موقفاً عربياً حازماً حيث تم الغاء اجتماع وزاري عربي طاريء كان مقرراً عقده خلال ساعات في اطار الجامعة العربية التي تتجه إلى المطالبة بعقد اجتماع طاريء لمجلس الأمن في حين قالت الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي انهما سيواصلان التعامل معه باعتباره رئيساً للسلطة الفلسطينية. وجاء القرار الاسرائيلي بقطع العلاقات مع عرفات خلال اجتماع طاريء للحكومة الامنية المصغرة عقدته في تل ابيب بعد ثلاث عمليات فدائية فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة اودت احداها بحياة عشرة اسرائيليين وجرحت ثلاثين اخرين. وجاء في بيان رسمي للحكومة الامنية المصغرة ان «الحكومة الاسرائيلية تعتبر ان عرفات هو المسئول مباشرة عن موجة الاعتداءات هذه وهو نتيجة لذلك خارج اللعبة سياسيا وان اسرائيل لن تجري معه اي اتصال». وبعد هذا الاعلان تقدمت الدبابات الاسرائيلية نحو مقر عرفات في مدينة رام الله وصوبت فوهات مدافعها باتجاهه على بعد مئة متر فقط. كما انفجر صاروخ اسرائيلي اطلقته مروحية ليل الاربعاء الخميس على مسافة عشرين مترا من مكاتب الرئيس الفلسطيني في وقت كان في مكتبه، وفق ما افاد مصدر امني فلسطيني أمس. واوضح مصدر ان الصاروخ طاول «منطقة خارج المطار الخاص بعرفات الواقع على حوالي عشرين مترا من مكاتب الرئيس» في رام الله. وقال المصدر ان عرفات لم يصب بجروح. وابلغ وزير العدل الاسرائيلي مئير شتريت في وقت لاحق مؤتمرا صحفيا «ليس لدينا اي نية لاعتقال او اغتيال عرفات او ايذائه... اننا ببساطة نرى انه لم يعد له قيمة كشريك». واضاف ان اسرائيل ستمنع عرفات من مغادرة رام الله وانه سيتم النظر في اي طلب لتنقل عرفات «ولنا الحق في رفضه او قبوله». واضاف ان قرار مجلس الوزراء المصغر يعني انه لن يكون هناك المزيد من الاجتماعات مع المسئولين الفلسطينيين وان اسرائيل لن تعتمد على السلطة الفلسطينية في مكافحة «الارهاب». ونقلت وكالة الانباء الفلسطينية عن نبيل ابو ردينة المستشار الاعلامي لعرفات قوله ان اسرائيل اعلنت الحرب رسمياً على الشعب الفلسطيني. وقال ابو ردينة «هي حرب رسمية أعلنتها حكومة شارون على شعبنا وان هذه الحرب ستجر المنطقة الى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار». ونقل عن وزير الامن العام الاسرائيلي عوزي لانداو أمس قوله انه على اسرائيل الا تستبعد احتمال طرد الرئيس الفلسطيني ومساعديه الى تونس. وفي مقابلة اجرتها صحيفة «لوموند» الفرنسية مع لانداو قال ان الزعماء الفلسطينيين يجب ان يعودوا الى تونس حيث كان مقر منظمة التحرير الفلسطينية قبل اتفاقيات اوسلو للسلام لعام 1993. وعند سؤاله عما اذا كان احتمال طرد عرفات قيد البحث قال «يجب الا نستبعد هذا الاحتمال». وقال لانداو وهو اكثر تشددا من شارون ان على اسرائيل ان تفرض حصارا على الاراضي الفلسطينية وتجعل الجيش يفتش عن الاسلحة والذخيرة هناك ويصادرها. واضاف لانداو «يجب الا نصادر الاسلحة فحسب.. بل يتعين علينا ايضا اعتقال الزعماء والتحفظ على اسلحة الجماعات الارهابية... اما بالنسبة للزعماء السياسيين فيجب ان يعودوا الى تونس». وفي الاطار ذاته أعلن أحمد ماهر وزير الخارجية المصري ان اجتماعا عربيا عاجلا سيعقد خلال ساعات على مستوى وزراء خارجية لجنة المتابعة او على مستوى مجلس الجامعة العربية. وأكد ماهر في مؤتمر صحفي عقده أمس ان الدول العربية جادة في رغبتها لوقف العدوان الاسرائيلى على الشعب الفلسطينى مشيرا الى ان هناك وسائل كثيرة يمكن اتخاذها في هذا الصدد وسيقوم وزراء الخارجية ببحثها وتحديد ما يتخذونه في هذا الشأن. وأشار ماهر الى ان مصر قد اجرت وسوف تجرى اتصالات مع الدول العربية والامانة العامة للجامعة والدول الاجنبية بشأن الموقف الاسرائيلى الاخير والذي يعبر عن الاصرار في استمرار العدوان على الشعب الفلسطينى ومنع أي تقدم في طريق السلام. واضاف وزير الخارجية المصري ان الموقف الاسرائيلى الذى يقول بأن الرئيس عرفات اصبح لا يعنيهم في شيء هو موقف مرفوض اساسا ولا معنى له لان الرئيس عرفات يكتسب شعبيته من الشعب الفلسطينى وانتخابه له. وأدان وزير الخارجية العدوان الاسرائيلى المستمر على الشعب الفلسطينى وطالب الجانب الامريكى بالتدخل السريع والحاسم لدى الطرفين الاسرائيلى والفلسطينى للخروج من المأزق الراهن. ومن جانبه أعلن مساعد وزير الخارجية الامريكي وليام بيرنز امس في دمشق ان الولايات المتحدة ما زالت تعتبر عرفات رئيسا للسلطة الفلسطينية وتريد مواصلة التعامل مع القيادة الفلسطينية. وقال بيرنز خلال مؤتمر صحفي «نعتبر الرئيس عرفات زعيما للشعب الفلسطيني وسنستمر بالعمل مع القيادة الفلسطينية التي عليها القيام بخيارات صعبة جدا والتحرك ضد المجموعات المتطرفة التي تهدد مصالح الشعب الفلسطيني». ومن بروكسل اعلن خافر سولانا مسئول السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي امس ان الاتحاد سيستمر في التعامل مع عرفات رغم قرار اسرائيل قطع كل اتصالاتها معه. وقال سولانا لرويترز «بالنسبة لنا في الاتحاد الاوروبي رئيس السلطة الفلسطينية لا يزال ممثل الشعب الفلسطيني وعلى هذا الاساس سنواصل التعامل معه». وصرح بأن الاتحاد الاوروبي الذي يضم 15 دولة وهو الجهة المانحة الرئيسية لادارة الحكم الذاتي الفلسطيني حث عرفات على اعطاء اولوية لقمع الارهاب. وقال سولانا الذي عاد الليلة قبل الماضية من زيارة لاسرائيل والاراضي الفلسطينية استمرت يومين «محاربة الارهاب هي الان مسئولية عرفات الاساسية. الاسلوب الذي تتعامل به السلطة الفلسطينية مع هذا الامر ليس ثابتا». كما أكد البرلمان الاوروبي امس مجددا دعمه للسلطة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات. وفي توصية تم تبنيها صباح امس طلب النواب الاوروبيون من اللجنة «الاستمرار في مساندة السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها». وفي باريس انتقد هوبير فيدرين وزير الخارجية الفرنسي امس قطع الحكومة الاسرائيلية للاتصالات مع الرئيس الفلسطيني. وقال فيدرين في باريس «من الخطأ ألا يتم التعامل مع السلطة الفلسطينية كشريك في مفاوضات السلام لان المرء لا يمكنه العمل بدونها إذا أراد السلام». وعضد الرئيس الفرنسي جاك شيراك ذلك التصريح في وقت لاحق امس. وقالت كاترين كولونا المتحدثة باسم شيراك «إن إسرائيل بحاجة إلى شريك لتحقيق السلام، وهذا الشريك هو السلطة الفلسطينية». ولاحظ فيدرين أن الاتحاد الاوروبي أصدر إعلانا وصفه بأنه «هام للغاية» لكل من الفلسطينيين والاسرائيليين. وقال ان الاوروبيين طلبوا من إسرائيل «ليس فقط أن تجمد بناء المستوطنات، ولكن أيضا تسحب جيوشها من المناطق الفلسطينية وأن توقف عمليات القتل غير الشرعية وترفع الحصار عن الاراضي وأن تقوم على وجه الخصوص باستئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة». كما اعلنت الناطقة باسم الرئاسة الفرنسية ان فرنسا تود ان ترفع القمة الاوروبية في لاكن «صوت المنطق» باصدارها بياناً حول الشرق الاوسط يعيد تأكيد مبادئ عملية السلام. وذكرت كولونا ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك اشار مساء الاربعاء خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الامريكي جورج بوش الى انه ينبغي «الا ندع الارهابيين من جميع الاطراف يقوضون عملية السلام». وقالت «اود ان اؤكد باسمه ان اسرائيل بحاجة الى شريك للتوصل الى السلام وان هذا الشريك هو السلطة الفلسطينية». وشهدت الاراضي الفلسطينية أعنف قصف جوى وبرى وبحرى بالطائرات الحربية من طرز إف 16 و15 وأباتشى والبوارج البحرية والدبابات والمدفعية لقطاع غزة و نابلس ورام الله والبيرة استمر خمس ساعات دمرت اسرائيل خلاله عدة مواقع أمنية ومدنية ودمرت مهبط طائرات عرفات وتقسيم قطاع غزة ومحاصرة نابلس وجنين وطولكرم والتوغل في مناطق تابعة للسلطة الفلسطينية . وبدأ القصف الليلة قبل الماضية في الساعة العاشرة تقريبا وتوقف في الساعة الثالثة من صباح امس بالطائرات بعد أن دمر القصف أكثر من 50 في المئة من مواقع السلطة منها المجمع الامنى أنصار 2 القريب من مقر عرفات ومنزله في غزة ومدينة عرفات للشرطة ومقار للمجموعة 17 الحرس الخاص للرئيس عرفات ومواقع البحرية والامن الوطنى في السودانية شمال غزة وتدمير جزئى لمطار غزة الدولى. وعن التصعيد العسكري صرح ناطق رسمى باسم السلطة الفلسطينية ان قوات الاحتلال الاسرائيلى تقوم حاليا بشن هجوم شامل على أراضى السلطة الفلسطينية وتتوغل الدبابات في المدن والقرى في الضفة الغربية وقطاع غزة لاعادة احتلال مناطق السلطة التى تم تحريرها طبقا للاتفاقات الموقعة لاعادة الامور الى النقطة صفر. وأشار الناطق الى أن قوات اسرائيلية كبيرة دخلت عصر امس بلدة سبسطية في جنين وفرضت منع التجول وبدأت بتفتيش منازل المواطنين وقد اعتقلت بعضهم، فيما تقوم قوات ودبابات الاحتلال بتطويق خانيونس وقلقيلية وطولكرم وجنين وتمنع أى تحرك للمواطنين أو المركبات في جميع المدن والمناطق الفلسطينية. وقالت مصادر فلسطينية أن زوارق بحرية اسرائيلية قصفت ظهر امس عدة مواقع للامن الفلسطينى في غزة حيث تركز القصف على مقر شرطة المدينة مما أدى الى تدميره واصابة عدد من أفراد الشرطة الفلسطينية. واكد أحد المواطنين ان قوات الاحتلال فتحت نيران أسلحتها الرشاشة باتجاه الابراج السكنية الاخرى بصورة عشوائية في ساعات الصباح الاولى مما الحق أضرارا فادحة بمنازل المواطنين وممتلكاتهم. وأصيب صباح امس ستة أطفال من مخيم تل السلطان غرب رفح جنوب قطاع غزة بجراح مختلفة وذلك عندما فتح جنود الاحتلال المتمركزون في برج تل زعرب جنوب المخيم نيران أسلحتهم الرشاشة على مجموعة من الاطفال. واصيب في العدوان اكثر من 50 فلسطينياً كما استشهد اثنان من رجال الشرطة الفلسطينية وهما احمد دميس 26 عاما من سمكان رام الله وموسى الفرا 24 عاما من قطاع غزة. واستشهد فلسطيني برصاص الاحتلال في مواجهات بالقرب من مدينة خانيونس جنوب غزة واستشهدت السيدة حياة اسعد الهيثم 40 عاما من حي النصر بغزة. الوكالات
7 شهداء وتدمير نصف مقرات السلطة ومطار غزة والاذاعة والتلفزيون، إسرائيل تسحب اعترافها بعرفات وتلمح لطرده، الجامعة العربية تلغي اجتماعها الطاريء وأمريكا والاتحاد الاوروبي يواصلان العمل مع الرئيس الفلسطيني
