تفجرت الاوضاع على الجبهة الداخلية الفلسطينية امس عقب استجابة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات للمطالب الاسرائيلية الامريكية والتي تجلت في وضع زعيم حماس الروحي الشيخ احمد ياسين رهن الاقامة الجبرية، واعتقال اكثر من 180 شخصاً من قيادات وناشطي حركتي حماس والجهاد تردد ان بينهم محمود الزهار وعبدالعزيز الرنتيسي، الامر الذي فجر غضب الحركتين اللتين هددتا السلطة بتوجيه سلاحهما ضدها اذا استمرت في الاستجابة للأوامر الاسرائيلية واشتبك أنصار الحركتين مع الشرطة الفلسطينية ما ادى الى وفاة احد المتظاهرين برصاص شرطة السلطة، وكاد ان يشعل فتنة داخلية تم وأدها ببيان للشيخ ياسين طالب فيه انصاره بالتهدئة حفاظاً على الوحدة الوطنية، لكن كل هذه الاجراءات لم ترض الاسرائيليين الذين طالبوا بالمزيد وواصلوا عدوانهم الذي تمثل امس في اجتياح بيت لاهيا واغتيال احد افراد الشرطة البحرية الفلسطينية في غزة في حين سلم المبعوث الامريكي انتوني زيني الرئيس الفلسطيني قائمة بـ 36 فلسطينياً تطالب اسرائيل باعتقالهم ورد عرفات خلال لقائهما المشترك بمطالبة امريكا بممارسة الضغوط على اسرائيل لوقف العدوان والحصار، وطالب البيت الأبيض عرفات باستمرار ملاحقة «المتطرفين» ووضعهم خلف سجون مغلقة وليس خلف أبواب خلفية متحركة. وفي المقابل نشطت الدبلوماسية المصرية امس بوصول وزير الخارجية احمد ماهر الى اسرائيل للمرة الاولى منذ تسلمه منصبه حيث التقى رئيس الوزراء ارييل شارون ووزير الخارجية شيمون بيريز والرئيس عرفات في محاولة مصرية لتطويق العدوان الاسرائيلي الهادف الى اسقاط سلطة عرفات، كما تلقى الرئيس المصري حسني مبارك اتصالاً هاتفياً من الرئيس الامريكي جورج بوش دار حول نفس الهدف. وقالت مصادر طبية في مستشفى الشفاء في غزة ان محمد سلمي (23 عاما) توفي صباح أمس متأثرا بجراح أصيب بها في الاشتباكات التي اندلعت قبل فجر أمس. ومن ناحية أخرى قالت تقارير غير مؤكدة من غزة ان الشرطة الفلسطينية اعتقلت عبد العزيز الرنتيسي المتحدث باسم حماس ومحمود الزهار أحد كبار قادة حماس وذلك في إطار الحملة التي تشنها السلطة الفلسطينية على نشطاء الانتفاضة. وقال مراسل لرويترز في مكان الاحداث ان مئات الشبان القوا حجارة على الشرطة الفلسطينية خارج منزل الشيخ ياسين في قطاع غزة وردت الشرطة المزودة بدروع مكافحة الشغب وبنادق وهراوات باعادة هذه الحجارة مرة اخرى على المحتجين. وتبادل آلاف من المتظاهرين وضباط الشرطة التابعين للسلطة الفلسطينية اطلاق النار في الليلة قبل الماضية اثناء احتجاجات خارج منزل ياسين الامر الذي يسلط الضوء على المقاومة التي يواجهها عرفات لتلبية مطالب امريكية واسرائيلية بالقيام بحملة صارمة ضد نشطاء الانتفاضة. واحاط رجال الامن الفلسطيني بمنزل الشيخ ياسين في ساعة متأخرة من الليلة قبل الماضية لكنهم في مرحلة ما تراجعوا بضعة امتار في الشارع الذي يقع فيه منزله بعد ان تدفق ملثمون ومسلحون على المنطقة. وقال شهود عيان ان هذه الاحتجاجات جاءت بعد نداءات بدعم الشيخ ياسين من مكبرات صوت في المساجد. والشيخ ياسين (65 عاما) هو ابرز الزعماء الذين وضعوا رهن الاقامة الجبرية منذ بدء حملة الاعتقالات ضد نشطاء الانتفاضة بعد ان اعلنت حماس المسئولية عن التفجيرات التي قتلت 30 شخصا في القدس وحيفا في مطلع الاسبوع. ويمثل هذا الاحتجاج بداية محتملة لصراع داخلي فلسطيني اوسع بشأن اعتقال نشطاء يقاتلون في الانتفاضة المستمرة منذ 14 شهرا ضد الاحتلال الاسرائيلي. وقال رعنان جيسين المتحدث باسم رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون ان الاجراء ضد الشيخ ياسين ليس كافيا. وقال جيسين «انه (الاجراء) لا يوقف المهاجمين الذين يفجرون انفسهم. عليهم ان يوقفوا الاشخاص الذين يرتكبون الجرائم». واعتبر الناطق باسم وزارة الخارجية نعام كاتس ان عرفات لم يقم حتى بالـ 5% من الجهود والاعتقالات من باب ذر الرماد في العيون وزادت اسرائيل بالتوغل في بيت لاهيا وقتلت شرطياً فلسطينياً واصابت اثنين آخرين احدهما في حالة حرجة. وقال الطبيب معاوية ابو حسنين مدير عام الطوارئ في مستشفى الشفاء بغزة لفرانس برس «ان تاج المصري (23 عاما) من افراد القوات الشرطة البحرية استشهد بعد اصابته برصاص قوات الاحتلال الاسرائيلي وشظايا القذائف المدفعية التي اطلقتها الدبابات الاسرائيلية خلال عملية التوغل في بلدة بيت لاهيا ومنطقة السودانية شمال قطاع غزة». واشار ابو حسنين الى ان «اثنين اخرين جرحا منهما عبد الرحمن ابريك (27 عاما) اصيب في البطن وجروحه بالغة جدا حيث يعالج في مستشفى الشفاء بغزة ولم يصل الجريح الثاني». وافاد مصدر امني ان «الجيش الاسرائيلي احتجز جثمان الشهيد المصري واعتقل الجريح الثاني ونحن نحملهم المسئولية الكاملة». وخلال اللقاء الاول له مع انتوني زيني منذ اربعة ايام طالب عرفات بممارسة ضغوط على اسرائيل لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني، فيما كشفت مصادر أن زيني سلم عرفات القائمة الاسرائيلية لاعتقال 36 قيادياً اسلامياً. وعقب اختتام مباحثاته مع عرفات حيث ناقشا لقاء على مستوى الخبراء بين الاسرائيليين والفلسطينيين برعاية امريكية، اجرى زيني مباحثات مع العقيدين توفيق الطيراوي وجبريل الرجوب. وفي زيارته الاولى لاسرائيل اجرى احمد ماهر مباحثات مع شيمون بيريز وارييل شارون حول سبل وقف التدهور. ودعا البيت الابيض عرفات أمس الخميس الى التصدي بصورة دائمة للمتطرفين الاسلاميين والتأكد من انهم لا يفرون من السجون الفلسطينية «ذات الابواب المتحركة». وقال المتحدث باسم البيت الابيض آري فلايشر ان الرئيس الامريكي جورج بوش «ما زال يشعر بقلق بالغ لأن السجون الفلسطينية ما زالت تبنى بقضبان على واجهاتها وبأبواب متحركة من الخلف». واضاف ان «الرئيس (بوش) ما زال يطالب الرئيس عرفات ببذل كل ما في وسعه بطريقة دائمة وحقيقية لاتخاذ تدابير ضد الارهابيين». وفي بروكسل قال وزير الخارجية الامريكي كولن باول امس انه يتعين على عرفات ان يبذل المزيد لمكافحة «الارهاب» رغم المقاومة العنيفة من بعض الفلسطينيين. وقال باول في مؤتمر صحفي بمقر حلف شمال الاطلسي «حقيقة انهم يقاومون سلطته يجعل من المهم جدا بالنسبة له ان يفرض سلطته». واضاف ان عرفات احرز بعض التقدم في قمع المتشددين خلال الاربع والعشرين ساعة الماضية ولكن «هناك حاجة للمزيد». واوضح باول ان المبعوث الامريكي للسلام في الشرق الاوسط انتوني زيني يحاول احياء المفاوضات بين المسئولين الامنيين الفلسطينيين والاسرائيليين «لاحلال بعض النظام في هذه الفوضى وهذا الوضع الخطير للغاية». وتحقق بعض التقدم في هذا الصدد. وتوجه ماهر في وقت لاحق الى رام الله حيث اجتمع مع عرفات. وقال وزير الخارجية المصري في تصريحات انه بالرغم من الخلافات والتباين في وجهات النظر فإن هناك توافقاً على الهدف وهو اقامة دولة فلسطينية مستقلة الى جانب اسرائيل. واضاف انه يتعين رفع الحصار ووقف القتل والاغتيالات واعادة القوات الاسرائيلية الى الوضع السابق وان السلام والامن موجودان في متناول اليد داعياً لوقف النار وتقديم بوادر حسن نية من اسرائيل تجاه الفلسطينيين لفتح المجال امام استئناف المفاوضات. على صعيد متصل تلقى الرئيس المصري حسني مبارك اتصالاً من الرئيس الامريكي جورج بوش تناولا خلاله الاوضاع الخطيرة والمتدهورة في فلسطين اضافة الى استعراض جهود مصر لانقاذ الموقف. وقال دبلوماسي اوروبي في القاهرة «اعتقد ان ماهر سيتوجه الى اسرائيل ليطلب من الاسرائيليين وقف الهجمات وحتى يثبت عرفات انه جاد بشأن قمع النشطاء». واضاف «مصر تعتقد انه من المهم للغاية اقناع اسرائيل بمنح عرفات فرصة ووقتا ومساعدة في قمع النشطاء وعلى سبيل المثال اعطاء القوات الفلسطينية حرية الحركة وتبادل معلومات الاستخبارات». وقال الدبلوماسي الاوروبي ان الرئيس المصري حسني مبارك «ليس راضيا تماما» عن عرفات وعن السلطة الفلسطينية. وقال «هذه الرحلة هي ايضا لاظهار رغبة مصر الجادة في ان تقوم السلطة الفلسطينية بدورها». وذكرت مصادر دبلوماسية ان الزيارة اعد لها على عجل بعد ان اوفد شارون مبعوثا في مهمة سرية لمصر خلال الليل. وصرحوا بان المبعوث الاسرائيلي من كبار مسئولي الامن. الوكالات