وصلت نيران اليوم الثاني من حرب الارهاب الاسرائيلية الى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات حينما قصفت المروحيات الاسرائيلية مدخل مبنى حكومي في رام الله كان عرفات بداخله لكنه نجا وبقي محاصراً في المدينة بالدبابات الاسرائيلية التي اجتاحت اجزاء واسعة منها، وبعثت له برسالة ان هذه فرصته الاخيرة لوقف الانتفاضة في ظل غارات متواصلة وعشوائية لطائرات «اف 16» و«أباتشي» الامريكيتين ما اسفر عن خمسة شهداء و200 جريح بينهم 60 من تلاميذ مدرسة فاجأتهم القذائف فقتلت احدهم. ومع استمرار العدوان الاسرائيلي ابقت واشنطن على انحيازها لنهج ارييل شارون حين دافع وزير الخارجية الامريكي كولن باول عن ارهابه الذي اعلن رسمياً عزمه توسيع عدوانه على الشعب الفلسطيني بعد ان اعتبر السلطة الفلسطينية راعية للارهاب، فيما ابدى الرئيس الامريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير تعاطفهما مع شارون. وعلى مرأى من العالم كله تواصل العدوان الصهيوني أمس على مختلف المناطق الفلسطينية بشكل أكثر فاشية ما ينذر باشعال المنطقة برمتها. وكانت مقرات الشرطة الفلسطينية والحرس الرئاسي «القوة 17» في مدينة غزة وخانيونس في قطاع غزة ورام الله وطولكرم وسلفيت في الضفة الغربية اهدافاً لصواريخ مروحيات الاباتشي ومقاتلات «اف 16» التي سوت معظمها بالارض. واستشهد في عدوان اليوم الثاني الشرطي محمد أحمد صيام في غزة والطفل محمد أبو فرسة (15 عاماً) حيث قضى الاخير بشظايا صواريخ دكت مقراً للأمن قرب مدرسة لحظة خروج التلاميذ ما أسفر عن اصابة 60، جراح 20 منهم بالغة الخطورة في حين قدرت مصادر المستشفيات الفلسطينية حصيلة الاصابات بما يزيد على الـ 150. كما قضى الشهيد نضال الدرباني امس متأثراً بجراح امس الاول في حين استشهد أمجد عبدالرحيم الطوباسي من حركة فتح خلال معركة الدفاع عن مدينة نابلس التي اقتحمتها الدبابات الاسرائيلية التي أعادت أيضاً احتلال أجزاء في رام الله والبيرة المجاورة. واستشهد أمس ايضاً الرضيع سامر خالد ابراهيم (ثمانية شهور) في محافظة قلقيلية جراء منع ذويه من نقله للمستشفى عند احد حواجز الاحتلال. واقتحمت في هذه الاثناء مركبات اسرائيلية مدرعة بعد غارات من الاباتشي مطار غزة الدولي ودمرت مدرجاته فيما تحصن رجال الامن الفلسطينيون في أحد مبانيه رافضين الاستسلام. ووصل العدوان الاسرائيلي الى عتبة الرئيس ياسر عرفات حين اغارت مروحيات الاحتلال على مقر لوزارة الداخلية متاخم لمكتب عرفات في رام الله واستهدفت احدى القذائف مدخل المقر حين كان الرئيس الفلسطيني بداخله محدثة فجوة في جداره حيث سارع المسئولون الفلسطينيون لتأكيد نجاته من العدوان. ولم يتمكن عرفات المحاصر في رام الله وبعد تدمير مروحياته ومدرج مطار غزة من مغادرة رام الله الى رومانيا للمشاركة في مؤتمر دولي. وبعد استهدافه قال عرفات لشبكة «سي.ان.ان» الامريكية «لا يريدني شارون أن انجح ولذلك يصعد من تحركاته العسكرية ضد شعبنا ومدننا ومؤسساتنا». وردا على سؤال قال عرفات ان شارون «لا يريد ان ننجح في ما بدأنا فيه من مواجهة النشاطات الارهابية» في تلميح الى العمليات التى قامت بها حركتا حماس والجهاد الاسلاميتان. واضاف «لا يريد شارون لمسيرة السلام ان تستأنف». صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين قال من جهته: «ان شارون يمارس ارهاب الدولة بكل ما يعني من معنى وما يحدث على الارض هو جرائم حرب» واضاف «عندما يكون هناك اليوم اكثر من 120 اصابة بينهم 60 طفلا في غزة فهذا دلالة على القصف العشوائي بطائرات اف 16 واف 17». واشار الى «ان ضرب مقر الرئيس عرفات في رام الله وهو في مقره يشكل دلالة على خطة اسرائيلية لتدمير السلام وتدمير السلطة الوطنية الفلسطينية». واعلن سفير اسرائيل في واشنطن ديفيد ايفري امس ان وقف اعمال العنف الفلسطينية لمدة سبعة ايام لم يعد شرطا كافيا لاستئناف الحوار مع عرفات. وقال ايفري متحدثا الى الصحافيين ان «المطالبة بالايام السبعة هذه لم تعد على جدول اعمالنا. المطلوب الآن معرفة ما اذا كان عرفات سيوقف الارهاب ام لا». واوضح ان امام عرفات «فرصة اخيرة». وقال السفير خلال تناوله الافطار مع صحافيين في معهد واشنطن لسياسة الشرق الاوسط، وهو مجموعة تضم خبراء في شئون الشرق الاوسط، ان «هذه فرصته الاخيرة ليقول نعم او لا». وتابع «المسألة الان هي ان نعرف ما اذا كان (عرفات) سيعتقل اشخاصا ويعلن حركتي حماس والجهاد الاسلامي غير شرعيتين ويفكك بنيتهما التحتية ويوقف نشاطاتهما». واشار الى انه «كلما اتخذ المزيد من الاجراءات منحناه فرصة اكبر»، معتبرا ان عرفات اهدر الفرصة التي قدمت له اثر اعتداءات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة للانضمام الى معسكر مكافحة الارهاب. وقال السفير ان «المسلحين الستين ألفا بأمرة السلطة الفلسطينية قادرون على وقف ارهابيين. انها مسألة ادارة». وختم «ما نريده هو ممارسة المزيد من الضغط على عرفات. فان كان قائدا مسئولا، عليه ان يوقف الارهاب. لكنه قد لا يكون زعيما للسلام». كما اكد وزير الاسكان الاسرائيلي المتطرف ناتان شارانسكي امس ان عرفات قد «يلقى المصير نفسه» الذي تلقاه «المنظمات الارهابية». وقال شارنسكي، زعيم حزب «اسرائيل بعليا» (يميني) للمهاجرين الروس لاذاعة «اصداء موسكو»، «اذا استمر عرفات في التسامح مع الارهاب سيلقى المصير نفسه الذي تلقاه المنظمات الارهابية». وكانت حكومة شارون قد اعلنت رسمياً في وقت سابق وعقب اجتماع موسع ان «السلطة الفلسطينية كيان يرعى الارهاب» وهو ما رأت انه «يستلزم عملاً على نطاق أوسع من ذلك الذي انتهج حتى اليوم ضد الارهاب الفلسطيني». كما اعلنت ان القوة 17 والتنظيم العسكري لحركة فتح «جماعات ارهابية» مما يجعلها اهدافاً للعدوان. لكن اجتماع الحكومة هذا قد شهد بوادر انشقاق في اوساطها حين انسحب وزير الخارجية شيمون بيريز غاضباً ومعه وزراء حزب العمل قبل التصويت على قراراتها حيث اشار بيريز في وقت لاحق ان حزبه سينظر في مسألة استمرار مشاركته بحكومة شارون. وسارعت كتلة ميرتس التي دعا زعيمها يوسي ساريد بيريز للانسحاب من الحكومة الى تقديم اقتراح بحجب الثقة عن حكومة شارون في الكنيست بالتزامن مع اقتراح مماثل تقدمت به الحركة العربية للتغيير بزعامة أحمد الطيبي الذي دعا شارون للاستقالة. في غضون ذلك اكد وزير الدولة في الحكومة الاسرائيلية داني نافيه ان الموقف الامريكي الذي اعتبر ما يقوم به جيش الاحتلال دفاعاً عن النفس هو الذي شجع على استمرار العدوان لليوم الثاني. وهو ما انسجم مع تصريحات وزير الخارجية الامريكي كولن باول امس التي صبت في خانة الانحياز الأعمى لصالح اسرائيل. وفي مؤتمر صحفي عقد بعد اجتماعه مع بيريز في رومانيا على هامش مؤتمر منظمة الامن والتعاون في اوروبا لم ينتقد باول اسرائيل لمهاجمتها المدن الفلسطينية واطلاق صواريخ قرب مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وقال باول «تتعافى اسرائيل في الوقت الحالي من ضربة قوية وجهت لها مساء يوم السبت الماضي بسبب الاعمال الارهابية ورئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون... يرد بطريقة يعتقد انها مناسبة للدفاع عن شعبه وبلاده.. ولكن يجب ان يتذكر الناس ان محادثات السلام ضرورية في المستقبل اذا رغب الاسرائيليون والفلسطينيون في التعايش جنبا لجنب في سلام». واستطرد «في محادثاتنا مع رئيس الوزراء شارون اشرنا ايضا الى انه سيكون هناك غد وبعد غد ونحن نحاول اعادة العملية التي ستؤدي الى هدنة والى المفاوضات لمسارها». وفي الوقت الذي يتخذ فيه اجراء واجراء مضاد يجب ان يضع الجميع في اذهانهم انه ان اجلا او عاجلا يجب ان نتوصل لطريقة للمضي قدما وفي الوقت الذي تضعون فيه خططكم يجب ان تضعوا هذا الامر في الحسبان». وقال باول الذي ارسل مبعوثه الجديد للسلام في الشرق الاوسط الجنرال انتوني زيني للمنطقة قبيل اندلاع اعمال العنف ان عرفات بامكانه القيام بالمزيد لكبح جماح النشطين. واستطرد «عندما تحدثت معه مساء يوم السبت ذكرته بذلك وقلت له ان هذا ليس مجرد هجوم ضد اسرائيل والاسرائيليين المدنيين الابرياء ولكنه هجوم على سلطته لانه كان مستعدا للعمل مع الجنرال زيني.. اوضحت لعرفات ان عليه الرد بجدية على هذا الهجوم ضد اسرائيل وضده وضد العملية التي نحاول ان نبدأها واعتقد انه بحاجة الى القيام بالمزيد مما رأيناه حتى الان». وقال بيريز للصحفيين متحدثا بشكل منفصل بعد اجتماعه بباول «اعتقد ان عرفات عليه وضع كل الجماعات المسلحة تحت سيطرة واحدة. لديه الان اربعة جيوش وكل منها يطلق النيران في اتجاه مختلف ويضع سياسات مختلفة.. اعتقد ان عليه اعتقال من يقومون بأعمال ارهابية وان يصبح قائدا مسئولا يعمل في اتجاه التوحيد عبر قيادة مركزية». وقال باول انه لا يعتقد بعد المحادثات «المتعقلة للغاية» بين الرئيس الامريكي جورج بوش ورئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون في الولايات المتحدة يوم الاحد ان اسرائيل ستستهدف عرفات شخصيا. واستطرد «اعتقد ان رئيس الوزراء شارون يعترف بان عرفات ما زال رئيس الشعب الفلسطيني. لم يتخذ «شارون» اي اجراءات حتى الان ولا اتوقع منه ان يتخذ اي اجراءات لاستهداف عرفات بشكل مباشر». لكن وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين تحسب امس من اعتماد شارون «سياسة الأسوأ». وقال فيدرين لاذاعة «فرانس انتر» العامة ان «عرفات يضعف بفعل مضايقات الجيش الاسرائيلي ويتم، فيما بعد، التذرع بهذا الضعف للقول انه ينبغي القضاء عليه بطريقة من الطرق لانه لم يتمكن من التوصل الى اعادة النظام في الاراضي الفلسطينية»...واضاف «يبدو ان هذه السياسة متعمدة للاسف». وقال فيدرين «اخشى ان تكون هناك بالفعل سياسة الاسوأ من وراء ذلك للقضاء على السلطة الفلسطينية». وعلى العكس من الموقف الفرنسي. اعرب الرئيس الامريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن تعاطفهما مع حكومة ارييل شارون. وقال الناطق باسم مقر رئاسة الوزراء البريطانية امس إن بلير وبوش «اعربا عن تعاطفهما مع الحكومة الاسرائيلية» ووجها دعوة «الى كافة الاطراف لبذل كل ما في وسعها للتوصل الى استقرار الوضع». وقال الناطق في لقاء صحافي ان بلير وبوش تحادثا هاتفيا مساء امس الاول حوالى نصف ساعة. ـ الوكالات

