ألم يستوعب شارون أن التوغل في الدم الفلسطيني لا يمنح شعبه الا قلقاً وهلعاً؟ ألم يستوعب شارون وجنوده أن كل قصف وتدمير لمقار فلسطينية يرتد رعباً على المجتمع الاسرائيلي والمستوطنات؟ ألم يستوعب شارون ومن خلفه ان العنف لا يولد الا عنفاً وان لدى الفلسطينيين مخزوناً هائلاً على المباغتة والرد في العمق الاسرائيلي؟ ألم يستوعب شارون وحلفاؤه بأن الضغط على عرفات والسلطة الفلسطينية لن يحقق الأمن الاسرائيلي المفقود؟ من مصلحة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي العمل الفوري من أجل كسر دائرة العنف الجهنمية المتصاعدة بمجيء شارون ولن يتم ذلك طالما ان رئيس الوزراء الاسرائيلي يعتقد خاطئاً أنه يستطيع تركيع السلطة والشعب الفلسطينيين واملاء شروطه الحمقاء التي تتجاهل التاريخ والواقع والمستقبل. الخطأ الفادح الذي تنطوي عليه سياسة شارون لا يختزل في تبني العنف فقط سبيلاً لمعالجة الأزمة السياسية ولكن خطيئة شارون أنه يعتقد أن المغالاة في العنف وحشر السلطة الفلسطينية في زاوية حادة وجعل ظهر عرفات الى جدار ساخن يختصر الام الاسرائيليين ويجرد الفلسطينيين من القدرة على المطالبة بالدولة والارض والعودة. الخطر في هذا المنهج لن يقتصر في واقع الامر على طرفي الصراع الحالي اي الفلسطينيين والاسرائيليين ولكنه سيوسع دائرة المستنقع الدامي بحيث تنزلق اقدام اطراف اقليمية مجاورة. والافضل لشارون وحلفائه ان يحاولوا قراءة الازمة في سياقها التاريخي والاقليمي المتكامل وعدم تجزئتها في ضوء تجزئة التسوية التي تمت. فالقبول بمرحلة السلام في الشرق الاوسط كان رهاناً على سلام شامل وليس على تسوية ناقصة. فمن الصعب ان لم يكن مستحيلاً اقامة حواجز بين الشعوب العربية وقت الازمات الطاحنة. بدلاً عن محاولة ممارسة ضغوط على عرفات من أجل تحويل شرطة السلطة إلى حراس في خدمة الاحتلال ينبغي اقناع شارون بسحب دباباته خارج الارض الفلسطينية، هذه معادلة في منتهى اليسر يمكن ان تفتح الباب امام اعادة ترتيب اوراق الصراع برمتها على طاولة المفاوضات. من المؤكد أن قصف رموز تابعة للسلطة الفلسطينية ستدفع عرفات ورجاله إلى معسكر الرفض الفلسطيني إذ أن هذا القصف يجرد سلطة الحكم الذاتي من ارضية الشرعية امام معارضيها في الداخل والخارج، ذلك ان مثل هذا القصف يعري الشريك المزعوم في عملية السلام الضائعة من المصداقية التي يحاول عرفات ورجاله المحاججة بها في وجه جبهة الرفض الفلسطيني. كما ان الالحاح الامريكي على عرفات بوقف «مثيري العنف» يفضح انحياز راعي السلام الوحيد إلى العدو الاسرائيلي، ذلك ان امريكا تدرك اكثر من شارون ان كل «العنف» الفلسطيني ليس سوى رد فعل على تعنت شارون الذي اخرج عملية السلام عن مسارها المنطقي بكل المعايير بما في ذلك المعايير الاسرائيلية المعتدلة. لنقل ببساطة أن عرفات عاجز عن كبح «الجماعات الارهابية» فهل في مقدور شارون وواشنطن الاعتراف بأن رئيس الوزراء الاسرائيلي عاجز عن سحب جنوده ودباباته من الاراضي الفلسطينية؟ أم أنه يتخذ ذلك لتحقيق مآرب أخرى؟ كتب المحرر السياسي: